ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

قوله : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ " آباؤكم " وما عطف عليه اسم " كان "، و " أحب " خبرها، فهو منصوبٌ، وكان الحجاجُ بنُ يوسف يقرها بالرفع، ولحَّنَه يحيى بن يعمر فنفاه.
قال أبو حيَّان " إنَّما لحَّنَه باعتبار مخالفةِ القراء النَّقلة، وإلاَّ فهي جائزةٌ في العربية، يُضمر في " كان " اسماً، وهو ضميرُ الشأن، ويُرفع ما بعدها على المبتدأ والخبر، وحينئذٍ تكونُ الجملة خبراً عن " كان ".
قال شهاب الدِّين١. فيكون كقول الشاعر :[ الطويل ]

إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كُنتُ أصْنَعُ٢
وهذا في أحد تأويلي البيت.
والآخر : أنَّ " صنفان " : خبرٌ منصوب، وجاء به على لغةِ بني الحارث، ومن وافقهم.
والحكاية التي أشار إليها الشَّيْخُ من تلحين يحيى للحجَّاج هي : أنَّ الحجاج كان يَدَّعي فصاحةً عظيمة، فقال يوماً ليحيى بن يعمر وكان يعظِّمه : هل تجدني ألحن ؟ فقال : الأميرُ أجَلُّ من ذلك، فقال : عَزمْتُ عليك إلاَّ ما أخبرتني، وكانوا يُعظِّمون عزائم الأمراء، فقال : نعم، فقال : في أي شيءٍ ؟ فقال : في القرآن، فقال : ويْلَك ! ! ذلك أقبحُ بي، في أيِّ آية ؟ قال : سَمعتُك تقر : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ إلى أن انتهيت إلى " أحَبّ " فرفعتها، فقال : إذن لا تسمعني ألْحَنُ بعدها، فنفاهُ إلى " خراسان " فمكث بها مدةً، وكان بها حينئذٍ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فجاءهم جيش، فكتب إلى الحجاج كتاباً، وفيه :" وقد جاءنا العدوُّ فتركناهم بالحضيض، وصعدنا عُرعُرة الجبل "، فقال الحجاج : ما لابن المهلب ولهذا الكلام، فقيل له : إنَّ يحيى هناك، فقال : إذن ذاك.
وقرأ الجمهور " عَشيرَتُكُمْ " بالإفراد، وأبو بكر٣ عن عاصم " عَشِيراتكم " جمع سلام. [ ووجه الجمع أنَّ لكلِّ من المخاطبين عشيرة، فحسن الجمع، وزعم الأخفشُ أنَّ " عشيرة " لا تجمع بالألف والتاء، وإنَّما تكسيراً على " عشائر "، وهذه القراءة حجةٌ عليه، وهي قراءة أبي عبد الرحمن٤ السلمي وأبي رجاء.
وقرأ الحسن٥ " عَشائرُكُم " قيل : وهي أكثر مِنْ " عشيراتكم " ]٦.
و " العَشِيرةُ " : هي : الأهلُ الأدنون. وقيل : هم أهلُ الرَّجُلِ الذين يتكثَّر بهم، أي : يصيرون له بمنزلةِ العدد الكامل، وذلك أنَّ العشيرة هي العددُ الكاملُ، فصارت العشيرةُ اسماً لأقارب الرَّجُلِ الذين يتكثَّر بهم، سواءً بلغوا العشرة أم فوقها.
وقيل : هي الجماعةُ المجتمعة بنسبٍ، أو وداد، لعقد العشرة.

فصل


هذه الآية هي تقريرُ الجواب المذكور في الآية الأولى، وذلك لأنَّ جماعة المؤمنين، قالوا : يا رسُول الله كيف يمكن البراءة منهم بالكليَّة ؟ وهذه الآية توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا، وإن نحن فعلنا ذلك، ذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخربت ديارنا، فأنزل الله تعالى : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أي : تَسْتوطنُونَها راضين بسكناها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ فانتظروا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ . قال عطاءٌ :" بقضائه " ٧.
وقال مجاهدٌ ومقاتلٌ :" بفتح مكَّة " ٨.
وهذا أمر تهديد، فبيَّن تعالى أنَّه يجب تحمل جميع هذه المضارّ في الدُّنيا، ليبقى الدِّين سليماً. ثم قال والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين أي : الخارجين عن الطاعةِ، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه إذا وقع التَّعارضُ بين مصلحةٍ واحدة من مصالح الدِّين، وبين مهمات الدُّنيا ؛ وجب ترجيح الدِّين على الدنيا.
١ ينظر: الدر المصون ٣/٤٥٥..
٢ تقدم..
٣ ينظر: السبعة ص (٣١٣)، الحجة ٤/١٨٠، حجة القراءات ص (٣١٦)، النشر ٢/٢٧٨، إتحاف فضلاء البشر ٢/٨٩..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٢/٢٥٧، المحرر الوجيز ٣/١٨، البحر المحيط ٥/٢٤، الدر المصون ٣/٤٥٦..
٥ ينظر: السابق..
٦ سقط في أ..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٧٧)..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٠٣) وعزاه إلى ابن شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٣٩).
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٧٧) عن مجاهد ومقاتل..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية