ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزوجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى بأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفسقين ( ٢٤ ) [ التوبة : آية ٢٤ ].
سبب نزولها هو ما أشرنا له آنفا ؛ لأن بعض الناس كان إذا أسلم عاقته هذه العوائق عن الهجرة والجهاد في سبيل الله ( جل وعلا ) بأن تعطله والتجارات التي يخاف أن تضيع بالكساد ويضيع ربحها، إن كان هذا كله أحب إليكم من الله ومن رسول ومن الجهاد في سبيله فتربصوا هو أمر تهديد كما يأتي.
وقوله : ءاباؤكم اسم كان. و أحب خبرها.
ومعنى الآية الكريمة : قل يا نبي الله لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة في سبيل الله بسبب هذه العوائق الآتية، قل لهم : إن كانت هذه الأمور التي عاقتكم أحب إليكم من الله ومن رسوله ومن جهاد في سبيله فانتظروا أمرا يأتيكم من الله. وهذا معنى قوله : قل إن كان ءاباؤكم .
الآباء جمع أب، والعرب تقول : " أب " إذا نكرتها تعربها على العين وتحذف لامها ولا تعوض منه شيئا، وهي من الأسماء التي تعرب على العين عند التنكير والتعريف. أما إذا أضيفت فإن لا مها ترجع لها ١، وأصل لام ( الأب ) واو، أصله ( أبو ) فلام الكلمة واو، فإنها إذا أضيفت – مثلا – أعربت بالواو والألف والياء، فرجعت لها لامها كما هو معروف. وإذا نكرت أو عرفت أسقطت لامها وأعربت على العين ٢.
والإخوان جمع أخ. وأصل ( أخ ) أيضا لامه المحذوفة واو ؛ ولهذا رجعت في جمع التكسير في قوله : وإخونكم فالأخ أصله ( أخو ) بالواو، فلامه المحذوفة واو ٣، وهو كالأب في جميع ما كنا نذكر. هذا معنى قوله : قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم . الأبناء جمع الابن وهو معروف.
وأزواجكم الأزواج جمع زوج، وزوج الرجل امرأته، ومفرده ( زوج ) بلا هاء، وهذه هي اللغة الفصيحة. العرب تقول : هذه زوجه، أي : امرأته، وزعم بعض علماء العربية أن قولهم ( زوجته ) بالتاء أنها من لحن الفقهاء، وأنها لا أساس لها في العربية. والتحقيق أن اللغة الفصحى في امرأة الرجل أنها ( زوجه ) بلا تاء، وأن التاء لغة فيها مسموعة وليست لحنا كما يقول بعضهم ٤. ومن إطلاق الزوجة بالتاء على امرأة الرجل قول الفرزدق، همام بن غالب، وهو عربي قح ٥ :

وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومنه قول الحماسي ٦ :
فشكا بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي ثم تصدعوا
وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفية : إنها زوجتي ٧. فالتحقيق أن الزوجة بالتاء لغة لا لحن، وأن اللغة الفصحى في امرأة الرجل أن يقال فيها :( زوجه ) بلا هاء. وهذا معنى وأزواجكم أي : نساؤكم.
وعشيرتكم قرأ هذا الحرف عامة السبعة – غير أبي بكر عن عاصم – ( أعني بأبي بكر : شعبة ) قرؤوه كلهم وعشيرتكم بالإفراد. وقرأه شعبة عن عاصم : وعشيراتكم ٨ بجمع التصحيح، جمع عشيرة، وعشيرة الرجل ثبت في صحيح البخاري وغيره ما يدل على أنها تشمل إلى الجد العاشر ؛ لأنه ثبت في الصحيح ٩ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين ( ٢١٤ ) [ الشعراء : آية ٢١٤ ] أنه امتثلها فنادى بني فهر، وفهر هو جده العاشر صلى الله عليه وسلم، فدل هذا الحديث الصحيح على أن العشائر تشمل إلى الجد العاشر من الرجل، وهذا معنى وعشيرتكم .
وأموال اقترفتموها الاقتراف في لغة العرب معناه الاكتساب، أموال اكتسبتموها تخافون إن سافرتم عنها أن تضيع وتجرة تخشون كسادها تخافون إذا هاجرتم عنها أن تكسد ولا تجد رواجا وربحا، وكان بعض العلماء يقول : إن التجارة التي يخاف كسادها من عنده بنات – مثلا – إذا خرج كسدن ولم يجدن أزواجا يتزوجونهن ١٠. والأول هو ظاهر القرآن، وهو ظاهر اللغة، وإن كان الثاني قال به جماعة.
ومسكن جمع المسكن وهي الديار والقصور ترضونها يعني ترضونها سكنا وتحبون الإقامة والسكنى فيها، إن كان هذا كله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا قد ثبت في الصحيح ١١ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون رسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من أهله وولده بل ومن نفسه التي بين جنبيه، فلا يؤمن أحد حتى يكون صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه ومن كل شيء كائنا ما كان. وكذلك محبة الله ( جل وعلا )، فالمسلم يحب الله ( جل وعلا ) ويحب رسول صلى الله عليه وسلم، واعلموا أيها الإخوان أن العلامة الواضحة لمحبة الله ورسوله هي امتثال أمر الله واجتناب نهي الله فيما بلغه عنه رسول محمد صلى الله عليه وسلم. هذا هو علامة المحبة. واعلموا أن كل من يدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخالفه أنه كذاب، كذاب، لا يحب الله ولا رسوله، ومن يخالف الله فالحب منتقص بقدر المخالفة، والمحب جدا لا يخالف محبوبه، فعلامة حب الله وحب رسوله الواضحة والشهادة به القاطعة هي اتباع ما جاء عن الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومصداق هذا في كتاب الله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ آل عمران : آية ٣١ ] فمحبة الله ومحبة رسول الله علامتها القاطعة اتباع رسول الله، فكل من يدعي أنه يحب الله ويحب رسول الله ويرتكب الأمور المخالفة لما جاء به رسول الله عن الله فهو كذاب، كذاب، كذاب في دعواه المحبة. وهذا أمر معروف عند الناس ؛ لأنه من الجبلة المعروفة عند العامة أن المحبة تقتضي الاتباع :
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع ١٢
وقد صدق من قال ١٣ :
قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
هذا في محبة مخلوق على وجه غير لائق فكيف بمحبة الله ورسوله ؟ فالمحب لله هو مطيع الله، والمحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو متبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله : فتربصوا التربص في لغة العرب : الانتظار، ومنه : يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء [ البقرة : آية ٢٢٨ ].
تربصن بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها ١٤
قال بعض العلماء : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره الظاهر أنه واحد الأمور، ولا شك أن في هذه الآية تهديدا وتخويفا لمن دام على إيثاره هذه الأشياء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الله بأمره والله جل وعلا { لا يهدي القوم الفسقين.
مثل هذه الآيات فيه سؤال معروف للعلماء، كقوله : والله لا يهدي القوم الفسقين لا يهدي القوم الظلمين فالله ( جل وعلا ) نفى هدايته للفاسقين، ونفى هدايته للظالمين، مع أنا نشاهد بعض الفسقين الظالمين يهديه الله، وكم من كافر شديد في الكفر، ظالم فاسق يهديه الله. هذا وجه الإشكال.
وأجاب العلماء عن هذا بجوابين :
أحدهما : أن قوله : لا يهدي القوم الظلمين ، لا يهدي القوم الفسقين من المخصوص، وأن المراد بها الذين سبق في علم الله أنهم لا يهتدون من الفسقة والظلمة الذين قال الله فيهم : إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ( ٩٦ ) ولو جاءتهم كل ءاية الآية [ يونس : الآيتان ٩٦ - ٩٧ ].
وقال بعض العلماء : لا يهديهم ما زالوا متصفين بالظلم والفسق، فإذا نزعوا عن ذلك برحمة الله وهدايته زال عنهم اسم الفسق والظلم فلا مانع إذا من هداهم. هكذا قاله بعض العلماء والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : والله لا يهدي القوم الفسقين [ التوبة : آية ٢٤ ].
١ انظر: شرح قطر الندى ص ٤٦..
٢ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ٧..
٣ انظر: المصدر السابق ص ١٧..
٤ راجع ما سبق عند تفسير الآية (١٨٩) من سورة الأعراف..
٥ السابق..
٦ السابق..
٧ السابق..
٨ انظر: المبسوط لابن مهران ص (٢٢٦)..
٩ البخاري في التفسير، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤) حديث رقم: (٤٧٧٠) (٨/ ٥٠١) وأخرجه في موضع آخر، انظر حديث رقم: (٤٩٧١) ومسلم في الإيمان، باب في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤) حديث رقم: (٢٠٨) (١/ ١٩٣) من حديث ابن عباس (رضي الله عنهما). وقد جاء نحوه عن أبي هريرة وعائشة وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين..
١٠ انظر: القرطبي (٨/ ٩٥)..
١١ البخاري في الإيمان، باب: حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان. حديث رقم: (١٥) (١/ ٥٨)، ومسلم في الإيمان، باب: وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. حديث رقم: (٤٤) (١/ ٦٧)، من حديث أنس (رضي الله عنه). وأخرجه البخاري في الموضع السابق (١٤) من حديث أب هريرة (رضي الله عنه). وقد ذكره الشيخ بمعناه، ولفظه: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي بعض الألفاظ: "من أهله وماله والناس أجمعين"..
١٢ البيت في تاريخ دمشق (١٣/ ٣٧٩) ونسبه للحسن بن محمد بن الحنفية..
١٣ البيتان في ديوان يزيد ص ٨٣، وهي أيضا في (قرى الضيف) ص ١١٨، بالإسناد إلى أبي المطاع ذي القرنين بن ناصر الدولة أبي محمد من شعره. وذكرهما الأبشيهي في المستطرف (٢/ ٣٨٥)، وابن الجوزي في المدهش ص ٣١٤، بدائع الفوائد (٣/ ٢١٦) ولفظهما هناك:
قالت لطيف خيال زارها ومضى بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال: خلفته لو مات من ظمأ وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد
قالت: صدقت الوفا في الحب شيمته يا برد ذاك الذي قالت على كيدي.

١٤ البيت في القرطبي (٣/ ١٠٨)، واللسان (مادة: ربص) (١/ ١١٠٦)، والدر المنثور (٦/ ١٢٠) وعزاه لابن الأنباري في الوقف والابتداء، وهو أيضا في فتح القدير (١/ ٢٣٢) (٥/ ٩٩)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير