ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون( ٢٣ ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٢٤ )
قد علم مما تقدم أنه لما أعلن الله تعالى براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، وبعود حال القتال بينهم وبين المؤمنين كما كانت، بعد أن تبث بالتجربة أنهم لا عهود لهم يوفى بها، ولا أيمان يبرونها، بل يعقدونها عند الخوف، وينقضونها عند الشعور بالقدرة على الفتك ـ كما تقدم شرحه مفصلا ـ عز ذلك على بعض المسلمين، وفتح به باب لدسائس المنافقين وتبرم ضعفاء الإيمان، وكان أكثرهما من الطلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، كان هو السبب لما تقدم من تكرار الأمر بقتال المصرين على الشرك، الناقضين للعهد، وتأكيده، وإقامة الدلائل على وجوبه، وكونه مقتضى الحق والعدل والمصلحة، وإنما كان موضع الضعف من بعض المسلمين في ذلك نعرة القرابة، ورحمة الرحم، وبقية عصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قربى من المشركين يكرهون قتالهم، ويتمنون إيمانهم، ويرجونه إذا تركوا وشأنهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان منهم بطانة ووليجة منهم.
فبعد أن بين الله تعالى لهم ما تقدم مما أشرنا إليه آنفا، وقفى عليه بفضل الإيمان والجهاد والهجرة، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان منها خيرا في نفسه، كسقاية الحاج والعمارة الصورية للمسجد الحرام، بعد هذا بين لهم أن ما ذكر من فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وما بشر الله به أهله من رحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، لا يتم إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
ثم انتقل من بيان هذه الدركة من الإخلال بحقوق الإيمان ومقتضياته إلى الدركة التي من شأنها أن تكون سببا لها، فقال قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره .
وجّه الله عز وجل الخطاب في النهي عن الجريمة الكبرى وهي ولاية الكافرين المعادين لله ورسوله إلى المؤمنين بعنوانهم مباشرة، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم في أمر الجريمة الثانية والوعيد عليها على فرض وقوعها منهم، ولم يشأ أن يعطف هذا على ما قبله فيكون خطابا منه بعنوان صفة الإيمان المنافي لمضمونه، ولذلك عبر عنه بأداة الشرط التي من شأن شرطها أن يكون مشكوكا في وقوعه، أو من شأنه أن لا يقع، وهي«إن »، ولم يرتب هذه المؤاخذة على أصل الحب لما ذكر في الآية من مجامع حظوظ الدنيا ولذاتها ؛ لأنه غريزي، بل رتبه على تفضيل هذه الحظوظ والشهوات الدنيوية في الحب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الموعود عليه بما تقدم آنفا من أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، وكذا ما دونه كما يدل عليه تنكير كلمة جهاد هنا. وذكر الأبناء والأزواج هنا دون آية النهي عن الولاية ؛ لأن من شأن الإنسان أن يتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه، ومن شأنه أن يكون تابعا له كابنه وزوجه، ولكنهما في المرتبة الأولى في الحب، وإننا نبين مراتب هذه الأصناف الثمانية في الحب، ونقفي عليها بمعنى حب الله ورسوله، وكون المؤمن الصادق لا يؤثرعليهما شيئا منها، ولا يعلو حبهما عنده حب شيء سواهما :
١ حب الأبناء للآباء له مناشئ من غرائز النفس وشعورها وعواطفها وعوارفها ومعارفها وطباعها، ومن عُرف الأقوام وآدابهم الاجتماعية وشرائعهم ودينهم، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية، وأول شيء يشعر به، وينمي في نفسه بنماء تمييزه وعقله إحسان والديه إليه، واقتران صورتهما في خياله بكل محبوب له. ويتلو هذا شعوره بما هما عليه من الحنان والعطف والحدب عليه والحب الخالص له الذي لا يشوبه رياء ولا تهمة، وللوالدة القدح المعلى في هذين، ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز، والطفل يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم. وهذا الشعور إما أن ينمي ويزداد في الكبر إذا كان الوالد مستحقا له ولو من بعض الوجوه، وإما أن يضعف، ولكنه قلما يزول عينا وأثرا وإن كان في غير محله.
وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، حتى قال الله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [ البقرة : ٢٠٠ ]، يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم، وفوق هذا شعور الشرف، فهو يشرف بشرفه، ويحقر بضِعَته وخسته. فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له.
تؤيد هذه الأنواع من الشعور والغرائز ملكات تطبعها الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والشرائع الدينية، فالله تعالى قد قرن الإحسان بالوالدين بتوحيده وعبادته وحده بمثل قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [ الإسراء : ٢٣ ] الخ، وقرن شكرهما بشكره في قوله : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [ لقمان : ١٢ ]، ثم إنه أمر بمعاملتهما بالمعروف وإن كانا مشركين مع نهيه عن طاعتهما إذا دعواه إلى الشرك، فقال { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ] [ لقمان : ١٥ ].
فهذه مجامع نوازع حب الولد الوالد، والوالدة تفوقه في بعضها وتتخلف عنه في بعض. ولما كان الوالدون هم الذين يقاتلون ويحتاجون إلى الموالاة والمناصرة دون الوالدات اقتصر على ذكرهم، تبعا لنهيه عن موالاتهم ؛ لأن موالاتهم لهم من قبيل طاعتهم في الشرك الذي نهاهم عنه، ونصر الشرك وأهله لأجله شرك، بل اتفق العلماء على أن الرضاء بالكفر كفر، فكيف بنصر الكفر على الإيمان بموالاة الكافرين ونصرهم على المؤمنين ؟ ولكنه لم ينههم عن حب آبائهم المشركين ؛ بل حذرهم أن يكونوا أحب إليهم من الله ورسوله وجهاد ما في سبيله، لأن هذا لا يجتمع مع الإيمان الصحيح كما سيأتي. كذلك نهاهم في سورة المجادلة عن موادة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم إذا كانت لأجل المحادة كما يفيده ترتيب النهي على فعلها، فإن المودة هي المعاملة الحبية، والمحادة شدة العداوة والبغضاء، فاشتراك المؤمن المحب لله ورسوله مع المحاد لله ولرسوله في المودة المرتبة على صفتيهما جمع بين الضدين، فهو في معنى موالاتهم بل أخص منها.
٢ حب الآباء للأبناء له جميع تلك المناشئ الغريزية والطبيعية، وأنواع الشعور والعواطف النفسية، وبعض تلك الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والأحكام الشرعية لا جميعها، ولكن حب الوالد للولد أحر وأقوى وأنمى وأبقى من عكسه، وهو أشد شعورا بمعنى كون ولده بضعة منه، وكون وجوده مستمدا من وجوده، ويشعر ما لا يشعر من معنى كونه نسخة ثانية منه، يرجى لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب وكثيرا ما يقترف الحرام في سبيل السعي والإدخار له، وقد بينا في تفسير قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا [ الأنعام : ١٥١ ] الآية أن عاطفة البنوة ونعرتها من أقوى غرائز الفطرة، وناهيك بما ينميها في النفس من قيام الوالد بشؤون الولد من التربية والتعليم، وما يحدثه ذلك من العواطف في الحال، والذكريات في الاستقبال، وكونه مناط الآمال، قال الله تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [ الكهف : ٤٢ ]، قالوا المعنى أن الأعمال الصالحة التي يبقى ثوابها للإنسان بعد الحياة الدنيا خير من زينة المال فيها ثوابا، وخير من البنين فيها أملا، فهو نشر على ترتيب اللف. وقد بينا أسباب حب الآباء للبنين بالتفصيل في تفسير زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين [ آل عمران : ١٣ ] الخ.
٣ حب الأخوة يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، والأخوان صنوان في وشيجة الرحم، فالأخ الصغير كالولد، والكبير كالوالد، ويختلفان عنهما بشعور المساواة في المنبت وطبقة القرابة، وقد يماري فيه بعض الذين أفسدت فطرتهم نزغات الفلسفة المادية فيزعمون أنه من التقاليد العادية لا منشأ له من غرائز النفس ولا مقتضيات الطبع، بل يقول بعضهم إن عداوة الأخوة أعرق في الغريزة من محبتها، ويستدلون عليه بما ورد في الكتب الإلهية من قتل أحد ولدي آدم لأخيه في أول النشأة، وعهد سلامة الفطرة من تأثير التنازع في شؤون الحياة، ومن فعلة إخوة يوسف به وهم من أسلم الناس أخلاقا وخيرهم وراثة.
والحق فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل أنه بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم وحب العلو، والرجحان والامتياز على الأقران في رغائب النفس ومنافعها، وما قد يلد من الحسد، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان، فضرب الله لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل، والخير على الشر، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية، وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين، وذلك قوله تعالى حكاية عنه لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين [ المائدة : ٣١، ٣٢ ]. والدليل على محبة الأخوة ووشيجة الرحم في نفس قابيل، وتنازعها مع حب العلو والرجحان على أخيه، أو مساواته وحسده لتقبل قربانه دونه قوله تعالى : فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين [ المائدة : ٣٣ ]، فإن التعبير عن ترجيح داعية الشر المتولدة من الحسد العارض على عاطفة حب الأخوة ورحمة الرحم«بالتطويع » من أبلغ تحديد القرآن لدقائق الحقائق باللفظ المفرد، فإن معنى صيغة التفعيل التكرار والتدريج في محاولة الشيء كترويض الفرس الجموح، وتذليل البعير الصعب، فهي تدل على أن قابيل كان يجد من نوازع الفطرة في نفسه الأمارة بالسوء مانعا يصدها عما زينه له الحسد من قتل أخيه، وأنها ما زالت تأمره ويعصيها حتى حملته على طاعتها بعد جهد وعناء. وقد شرحنا هذا المعنى شرحا واسعا في تفسير الآيات ( ج ٦ تفسير ).
وقد وقع مثل هذا الحسد من إخوة يوسف : كبر عليهم إقبال أبيهم يعقوب بكل وجهه وكل نفسه على هذا الابن الصغير الذي لم يبلغ أن ينفعه أو ينفع الأسرة بخدمة ولا حماية ولا غيرها من مواضع آمال الآباء في الأبناء، وإعراضه عنهم على قوتهم وقيامهم بكل ما يحتاج إليه الأب والأسرة، فزين لهم الحسد أن يقتلوه أو يغربوه ليجتمع الشمل، ويخلو لهم وجه أبيهم بالإقبال عليهم، ويكونوا بذلك قوما صالحين بزوال سبب الشقاق والفساد فيهم، ولكنهم بعد التشاور رجحوا تغريبه وإبعاده عن أبيه عندما أشار به بعضهم، ولولا عاطفة الرحم وهداية الدين لما رضي العشرة برأي الواحد في ترك قتله. ولماذا نحفظ هذه الوقائع الشاذة وننسى الأمر الغالب الأعم، وهو تواد الإخوة وتعاونهم وتناصرهم بباعث الغريزة ولوازمها ؟ ومنه ما كان من إحسان يوسف إلى إخوته ثم عفوه عنهم ثم معيشته معهم ؟
بعد هذا أذكر القارئ الذي أخاف عليه فساد الأفكار المادية المغرية بعداوة الأخوة للجهل بالدين والحرمان من هدايته، بما هو معهود في هذه البلاد من إهمال تعليمه وتربيته، أذكره بما لا يستطيع العالم المادي إنكاره أو المكابرة فيه من منشأ حب الأخوة في النفس، وما تقتضيه من التواد والتناصر في نظام الاجتماع البدوي والمدني، وهو أن المعهود من أخلاق البشر وآدابهم وعاداتهم المنبعثة عن طباعهم وغرائزهم أن المحبة والعطف فيما بينهم يكون على قدر ما بين أفرادهم وجماعاتهم من الاشتراك في صفات النفس الموروثة، وعواطفها المكتسبة بالتربية والمعاشرة، وفي شؤون الحياة من طبيعية واجتماعية، وفي الحقوق والآداب الشرعية والعادية، وللأخوة من جملة هذه الأمور ما ليس لمن دونهم من الأقارب، بله من بعد عنهم من الأجانب، فالأخ صنو أخيه، منبتهما واحد، ودمهما واحد، ووراثتهما النفسية والجسدية تتسلسل من أرومة واحدة، وإن تفاوتوا فيها، وكل منهما يشعر بالاعتزاز بعزة الآخر إلا أن يفسد فطرته الحسد، ويحفظ من ذكريات الطفولة والصبا ما له سلطان عظيم على النفس، وتأثير كبير في آصرة الرحمة والحب، وما زال أهل الوسط من بيوت الناس الذين سلمت فطرتهم، وكرمت أخلاقهم، يحبون إخوتهم كحبهم أنفسهم وأولادهم، وي

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير