ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

وأذان أي : إعلام فعال بمعنى الفعال كالأمان والعطاء ومنه الأذان للصلاة يقال أذنته فأذن أي : أعلمته فعلم، وأصله من الأذان أي أوقعت في أذنه، ورفعه كرفع براءة على الوجهين من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر .
قال البغوي : روى عكرمة عن ابن عباس أنه يوم عرفة، قال : وروي : ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب، قلت : ومستند هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم :" الحج عرفة " ١ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم و الدار قطني والبيهقي من حديث بن معمر، واخرج ابن أبي حاتم عن مسعود بن مخرمة أن رسول الله قال :" يوم عرفة وهذا يوم الحج الأكبر "
قال البغوي قال : جماعة : هو يوم النحر، روي عن يحيى بن الخراز قال : خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاء رجل أخذ بلجام دابة وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال : يومك هذا خل سبيلها، أخرج الترمذي عن علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر ؟ قال :" يوم النحر " ٢ ويروي ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير و السدي، قلت : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال :" هذا يوم الحج الأكبر " قال : البغوي وروى ابن جريح عن مجاهد يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان سفيان الثوري يقول : يوم الحج الأكبر أيام منى كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث يراد به الحين والزمان فإن هذه الحروب دامت أياما كثيرة ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة يسمى بالحج الأصغر كذا قال : الزهري والشعبي وعطاء والله اعلم.
قالوا : هذه الآية تدل على أن ابتداء الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر، قلت : ليس في آية الأذان يوم الحج الأكبر التقييد بأربعة أشهر حتى يدل على أن ابتداء الأشهر من ذلك اليوم بل قال : الله تعالى وأذان من الله ورسوله على الناس يوم الحج الأكبر أن الله : أي بأن الله بريء من المشركين ورسوله قرأ يعقوب ورسوله بالنصب عطفا على اسم أن أو لأن الواو وبمعنى مع، والباقون بالرفع عطفا على المستكن في برئ على الابتداء والخبر محذوف أي : ورسوله بريء وهذا تعميم بعد تخصيص فإن الآية الأولى فيها براءة مختصة بالذين عوهدوا والمراد به الناكثين منهم بدليل الاستثناء الآتي.
وفي هذه الآية براءة عامة إلى المشركين أجمعين عاهدوا ثم نكثوا أو لم يعاهدوا منهم ولذا قال : إلى الناس فلا تكرار غير أن الذين عاهدوا لم ينكثوا خارجون عن هذه البراءة أيضا لقوله تعالى : فأتموا إليهم عهدهم وليس في هذه الآية الأمر بالسياحة أربعة أشهر حتى يلزم اعتبار ابتداء المدة من هذا اليوم، وعندي أن قوله تعالى : براءة من الله ورسوله و أن الله برئ وإن كانت نازلة في المشركين الموجودين في ذلك الوقت الناكثين عهودهم في غزوة تبوك وغير المعاهدين منهم لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد فالآية محكمة ناطقة لوجوب قتال الناكثين وغير المعاهدين أبدا فالمراد بقوله تعالى : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر من كل سنة وهي الأشهر الحرم بدليل قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية وقوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ٣ فإن قيل : قال : قوم القتال في الأشهر الحرم كان كبيرا ثم نسخ بقوله تعالى : أنفسكم المشركين كافة ٤ كأنه يقول فيهن وفي غيرهن، وهو قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري وقالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين و ثقيفا بالطائف وحاصر في شوال وبعض ذي العقدة.
قلنا : هذا القول عندي غير صحيح لأن قوله تعالى : أنفسكم المشركين كافة من تتمة قوله تعالى : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ولا بد في الناسخ من التراخي والقول بالتخصيص ههنا غير متصور، والقول بان معنى قوله تعالى : قاتلوا المشركين كافة فيهن وفي غيرهن باطل لأنه يدل على تعميم الإفراد دون تعميم الزمان وحصاره صلى الله عليه وسلم الطائف في بعض ذي القعدة ثابت بأحاديث الآحاد ولا يجوز نسخ الكتاب بها كيف وسورة التوبة نزلت بعد غزوة الطائف، وقد قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النحر في حجة الوداع قبل وفاته بثمانين يوما :" إن الزمان استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " ٥ الحديث رواه الشيخان في الصحيحين من حديث أبي بكرة، ويحتمل أن يكون جواز حصار الطائف في ذي القعدة مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم أبيح له القتال فيها كما أبيح له القتال في الحرم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة :" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله على يوم القيامة وإنه لم يحل القتال لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار " ٦ الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس، وفي الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي :" فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فيها فقولوا له إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ".
قصة : لما نزلت هذه في شوال سنة تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على الناس في الموسم، وروى النسائي عن جابر انه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره ووقف عن التكبير، فقال : هذه رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء لقد بد الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج فلعله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي معه فإذا علي عليها، فقال : له أبو بكر أمير أم رسول ؟ قال : لا بل رسول أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرأها على الناس في مواقف الحج فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ٧. قال : البغوي : بعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر سورة براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفات أن قد برءت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي انزل في شأني شيء قال : لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وانك صاحبي على حوضي قال : بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الحج وعلي رضي الله عنه ليؤذن براءة فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وورثهم عن مناسكهم وأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمر وقرأ عليهم سورة براءة. وقال زيد بن تبغ سألنا عليا بأي شيء أبعثت في الحجة ؟ قال : بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ومن لم يكن له مدة فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
روى الشيخان في الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمان عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذني يوم النحر يؤذن بمنى ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، قال : حميد بن عبد الرحمان ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن يؤذن ببراءة، قال : أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ٨.
فائدة : هذه القصة صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزل أبا بكر عن إمارة الحج وإنما بعث عليا ينادي بهذه الآيات، وكان السبب في هذا أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العقود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم أو رجل من رهط فبعث عليا إزاحة للعلة لئلا يقولوا هذا خلاف ما نعرفه، فينا في نقص العهود وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم :" لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي " أخرج هذا اللفظ احمد والترمذي وحسنه من حديث أنس رضي الله عنه، وما ذكرناه من القصة بعضها في مسند احمد وبعضها في الدلائل للبيهقي من حديث ابن عباس وبعضها في تفسير ابن مردويه من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي اله عنهم فإن تبتم رجعتم من الكفر وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة من كل شيء وان توليتم عن التوبة والإسلام فاعلموا أنكم غير معجزي الله لا تفوتونه طلبا ولا تعجزونه هربا وتقدير الكلام وإن توليتم يعذبكم الله في الدنيا والآخرة وبشر الذين كفروا بعذاب اليم بالقتل والأسر في الدنيا وبالنار في الآخرة

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجميع فقد أدرك الحج (٧٧٤)، وأخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: فرض الوقوف بعرفة (٣٠٠٧).
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في يوم الحج الكبر (٩٥٣)..
٣ سورة التوبة، الآية ٦٣..
٤ سورة التوبة، الآية: ٣٦..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الأضاحي، باب: من قال الأضحى يوم النحر (٥٥٥٠). وأخرجه مسلم في كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (١٦٧٩).
٦ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب (١٠٤) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلالها ولقطتها (١٣٠٤)..
٧ أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: الخطبة قبل يوم التروية (٢٩٨٤)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك (١٦٢٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: الحج باب: لا يحج بالبيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (١٣٤٧).

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير