براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( ٢ ) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ( ٣ ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( ٤ )
من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ذكرنا كلياتها في تفسير( ٢ : ٢٣ ج ١ )، وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة، ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة كما بيناه في تفسير ( ٢ : ٢٥٦ج ٣ )، فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه صلى الله عليه وسلم عن تبليغه للناس بالقوة، ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حلف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة، ورجحوا في آخر الأمر قتله، فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير وإذ يمكر بك الذين كفروا [ الأنفال : ٣٠ ] ج ٩، فهاجر صلى الله عليه وسلم، وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر، وعاهد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء.
وقد عاهد صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة، ودخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدا هؤلاء على أولئك وإعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم، وفتحه صلى الله عليه وسلم لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا، وثبت بالتجربة لهم - في حالي قوتهم وضعفهم- أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، كما يأتي في قوله تعالى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلى قوله في آخر آية ١٢ فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب.
هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها، وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [ البقرة : ١٩ ] وقوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [ الأنفال : ٦١ ] بقدر الإمكان، وإن قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك، وسيأتي تفصيله في تفسيرها.
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين، أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح أنه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه، ويجتمع الحاج فيه لإتمام واجبات المناسك وسننها في منى. والأذان النداء الذي يطرق الآذان، بالإعلام بما ينبغي أن يعلمه الخاص والعام، وهو اسم من التأذين، قال تعالى : فأذن مؤذن بينهم أيتها العير إنكم لسارقون [ يوسف : ٧٠ ]، ومنه الأذان للصلاة. وأذن بها أعلم، وآذنه بالشيء إيذانا أعلمه به. وأذن بالشيء ( كعلم ) علمه، وأذن له ( كتعب ) استمع. وأعاد التصريح في هذا الأذان بكونه من الله باسم الذات، ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة، كما صرح بهما في البراءة، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه، وذلك لتأكيد هذا الحكم، وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه.
ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله : فإن تبتم أي قولوا لهم : فإن تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود، وقبلتم هداية الإسلام.
فهو خير لكم في الدنيا والآخرة ؛ لأن هداية الإسلام هي السبب لسعادتهما.
وإن توليتم أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة.
فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي غير فائتيه بأن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا.
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبأ عن الغيب الذي لا يمكن علمه إلا بوحي الله عز وجل، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إما بالتهلل وإشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن أو الخوف. وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه، وأن استعماله فيما يسوء ويكدر إنما يقال من باب التهكم.
أما الشيخان فقد أخرجا في هذا الباب حديث أبي هريرة الذي رواه عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف في كتاب الحج، وكرره البخاري في كتب الطهارة والحج والجزية والمغازي والتفسير، فنذكر لفظه في تفسير فسيحوا في الأرض أربعة أشهر الآية : عن حميد أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة : فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان١ اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله :" قال أبو هريرة فأذن معنا علي " ما نصه :
هو موصول بالإسناد المذكور، وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق بأبي بكر عن غير أبي هريرة، وحمل بقية القصة عن أبي هريرة. وقوله : فأذن معنا علي في منى يوم النحر الخ قال الكرماني : فيه إشكال ؛ لأن عليا كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك ؟ ثم أجاب بأنه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : ٢٨ ]
ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، قلت : وفي قوله : يؤذن ببراءة تجوز ؛ لأنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها عند قوله : ولو كره المشركون [ التوبة : ٣٣ ]، فروى الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبري من طريق أبي الصهباء قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال : يا علي قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم ؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
ثم قال الحافظ : وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج : حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالعرج ثوَّب بالصبح، فسمعنا رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي عليها، فقال له : أمير أو رسول ؟ فقال : بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ منها قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة : أن لا يحج بعد العام مشرك الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
« وقد وقع في حديث مقسم عن ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر. الحديث، وفيه فقام علي أيام التشريق فنادى : ذمة الله وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل مؤمن. فكان علي ينادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها ٢».
وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال « لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي »، فبعث بها مع علي. قال الترمذي : حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد عن علي : لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال :( أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب. فرجع أبو بكر فقال : يا رسول الله نزل في شيء فقال « لا» إلا أنه لن يؤدي عني ـ أو لكن جبريل قال : لا يؤدي عنك- إلا أنت أو رجل منك )، قال العماد ابن كثير : ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره ؛ بل المراد رجع من حجته. ( قلت ) : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة. وأما قوله : عشر آيات، فالمراد أولها إنما المشركون نجس اهـ.
هذا ما لخصه الحافظ من الروايات، وأقول إن ابن كثير قال في حديث علي في نزول عشر آيات المذكور أخيرا، وقد ذكر إسناده عن عبد الله بن أحمد : هذا إسناد فيه ضعف.
وأزيد عليه انتقاد متنه ؛ إذ لا يصح أن يكون نزل منها عشر آيات وأنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثم عليا بها، فهذا مخالف لسائر الروايات المتضافرة المتفقة التي أطلق في بعضها أول سورة براءة ـ وفي بعضها عدد ثلاثين أو أربعين آية منها ـ أي بالتقريب، وفي بعضها سورة براءة، وهي لا تنافي بينها، فقد نزلت سورة براءة كلها أو أكثرها عقب غزوة تبوك، وقد كانت في رجب سنة تسع من الهجرة. وقد قال ابن إسحاق : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وذكر أن أبا بكر خرج في ذي القعدة. فإن أمكن حمل ما رواه ابن سعد عن مجاهد من أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة على هذا كان صحيحا وإلا فلا.
وأما ضعف إسناده الذي ذكره ابن كثير فمن حنش بن المعتمر الكناني الكوفي. قال ابن حبان : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وقال البزار : حدث عنه سماك بحديث منكر، وقال ابن حزم في المحلى : ساقط مطرح، ولأئمة الجرح في تضعيفه أقوال أخرى. ولعل الحديث المنكر الذي رواه عنه سماك هو هذا، على أن سماك بن حرب هذا لم يسلم من جرح، وإن روى عنه مسلم، ومما قيل عنه : إنه خرف في آخر عمره. والعجب من الحافظ ابن حجر كيف سكت عن ضعف إسناد هذا الحديث مع تذكر عبارة ابن كثير فيه.
وأما اختلافهم في تعيين يوم الحج الأكبر ففيه ما رواه البخاري في تفسير إلا الذين عاهدتم من المشركين من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أنه أخبر أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يؤذن في الناس أن لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فكان حميد يقول : يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. وتقدم الحديث في كتاب الجزية عن شعيب عن الزهري بلفظ : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك اهـ.
قال الحافظ في الكلام على رواية صالح من الفتح بعد أن ذكر رواية شعيب ما نصه : وقوله : ويوم الحج الأكبر يوم النحرـ وهو قول حميد بن عبد الرحمن- استنبطه من قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر. وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان : منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد : من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء : إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ).
وروى أحمد والنسائي من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
ثم قال الحافظ : وقوله : وإنما قيل الأكبر الخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه : أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم النحر، قال « هذا يوم الحج الأكبر».
واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرازق من طريق عبد الله بن شداد -أحد كبار التابعين-، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد : الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقيل : يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوري : أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال يوم الفتح، وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه يوم النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا :( يوم الحج الأكبر يوم النحر )٣ ورجح الموقوف. وقوله : فنبذ أبو بكر الخ هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه و
تفسير المنار
رشيد رضا