[سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٣]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)اللغة:
(فَسِيحُوا) السياحة: السير، يقال ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا، ومنه سيح الماء في الأرض، وسيح الخيل، ومنه قول طرفة بن العبد:
| لو خفت هذا منك ما فلتني | حتى ترى خيلا أمامي تسيح |
(بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) براءة خبر لمبتدأ محذوف أي هذه براءة ومن الله صفة لبراءة فهي لابتداء الغاية متعلقة بمحذوف صفة لبراءة وليست متعلقة بالبراءة كما في قولك: برئت من الذنب والدين، والمعنى هذه براءة واصلة من الله صفحة رقم 50
ورسوله، والى الذين متعلق بمتعلق من أي واصلة الى الذين، ويجوز أن تكون براءة مبتدأ وساغ الابتداء بها لتخصيصها بالصفة والى الذين خبرها كما تقول: رجل من تميم في الدار، ومن المشركين حال، قال المفسرون: لما خرج رسول الله ﷺ الى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودهم.
وذلك قوله تعالى «وإما تخافن من قوم خيانة» الآية. ففعل رسول الله ﷺ ما أمر به ونبذ لهم عهودهم، قال الزجاج: أي قد برىء الله ورسوله من وفاء عهودهم إذا نكثوا، وسيأتي في باب الفوائد ما يرويه التاريخ. (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) الفاء الفصيحة وجملة سيحوا مقول قول محذوف أي فقولوا أيها المسلمون للمشركين سيحوا وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بسيحوا وأربعة أشهر ظرف زمان متعلق بسيحوا والمراد بالأشهر الأربعة: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر. (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) الواو حرف عطف واعلموا فعل أمر والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا وأن واسمها وغير معجزي خبرها والله مضاف اليه. (وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) وأن عطف على أنكم والله اسمها ومخزي الكافرين خبرها. (وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) ارتفاع أذان كارتفاع براءة على الوجهين والجملة معطوفة على مثلها، والأذان الإعلام بمعنى الإيذان، ومن الله صفته أو متعلق به وإلى الناس الخبر ويوم الحج الأكبر ظرف متعلق بما تعلق به الى الناس. (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) بفتح همزة أن وفيه وجهان: أحدهما خبر أذان والثاني هو صفة أي وأذان كائن بالبراءة، وقيل التقدير وإعلام من الله بالبراءة، فالباء متعلقة
بنفس المصدر وأن واسمها وخبرها ومن المشركين جار ومجرور متعلقان ببريء، ورسوله فيه أوجه: أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أي ورسوله بريء منهم وإنما حذف لدلالة الأول عليه وهذا أصح الأوجه، وقيل: هو معطوف على محل اسم أن أو معطوف على الضمير المستتر في الخبر. وسيأتي ما في هذه الآية من أبحاث تتعلق بالنحو في باب الفوائد. (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) الفاء عاطفة أو استئنافية وإن شرطية وتبتم فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهو مبتدأ وخير خبره ولكم جار ومجرور متعلقان بخير.
(وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) وإن توليتم عطف على إن تبتم وأنكم أن واسمها وقد سدت مسد مفعولي اعلموا وغير خبر أن ومعجزي الله مضاف إليه. (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الواو عاطفة وبشر فعل أمر وفاعل مستتر والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وبعذاب جار ومجرور متعلقان ببشر وأليم نعت.
الفوائد:
١-
ما يقوله التاريخ في معاهدة الحديبية:
عاهد رسول الله ﷺ قريشا يوم الحديبية، على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالوا منهم وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنشد:
| لا هم إني ناشد محمدا | حلف أبينا وأبيه الأتلدا |
| إن قريشا أخلفوك الموعدا | ونقضوا ذمامك المؤكدا |
| هم بيّتونا بالحطيم هجّدا | وقتلونا ركّعا وسجدا |
وقال يزيد بن تبيع: سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو صفحة رقم 53
إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في الحج، ثم حج رسول الله ﷺ سنة عشر حجة الوداع.
سبب وضع علم النحو:
جيء الى عمر بن الخطاب برجل يقرأ: «إن الله بريء من المشركين ورسوله» بالجر، فسأله، فقال: هكذا قرأت في المدينة، فقال عمر:
ليس هكذا، إنما هي ورسوله، بضم اللام، فإن الله لا يبرأ من رسوله ثم أمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم بالعربية، ودعا بأبي الأسود الدؤلي فأمره أن يضع النحو. فمقتضى هذه الرواية أن هذا العلم لم يكن معروفا قبل أبي الأسود، وأن كلام الناس قبله إنما كان بمجرد الفطرة وهو المعهود.
هذا وقد اشتهر أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من وضع علم النحو قالوا: انه سمع ابنته يوما تلحن فذهب الى علي بن أبي طالب، فقال له: فشا اللحن في أبنائنا وأخشى أن تضيع اللغة فقال له الامام:
اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم الكلام كلّه ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم كذا والفعل كذا والحرف كذا، والأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر ومبهم، والفاعل مرفوع أبدا، والمفعول منصوب أبدا، والمضاف مجرور أبدا، فافهم وقس، وما عنّ لك من الزيادة فاضممه.
ولكن قال السيوطي في المزهر: إن العروض والنحو كانا قديمين وأتت عليهما الأيام فقلّا في أيدي الناس، فجدّدهما الخليل وأبو الأسود، واستدل على قدم العروض بما بسطه هناك، وعلى قدم النحو
بما منه: كتابة المصحف على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات الواو والياء والهمز والمدّ والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف.
ونحن نؤيد هذا الرأي الطريف للسيوطي.. مستدلين بما يلي:
١- تبيين علي بن أبي طالب لأبي الأسود جملا من القواعد الاصطلاحية السابقة، إذ كون ذلك ألهمه الإمام خاصة بعيد، ويبعده أيضا قوله لأبي الأسود: وما عنّ لك من الزيادة فاضممه إليه، أي مما كان كهذه الضوابط، فهذا صريح أو كالصريح في أن هذا العلم كان معروفا بينهم أو بين أفراد منهم لا مجرد صحة النطق سليقة.
٢- قول عمر بن الخطاب: «لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة العربية» فإن المتبادر منه قواعدها وأصولها التي بها يعرف وجوه الكلام بمعونة المقام، إذ لو كان المراد مجرد المتكلمين بالصواب لزم منع كل عجمي منه، ولم يكن وجه للتخصيص بالعالم باللغة بالنظر الى العرب إذ القوم جميعا أعراب معتدلو الألسنة بالسليقة، وتجويزه القرآن لمن كان عارفا دون غيره صريح في أن منهم عارفين باللغة ومنهم جاهلين بها، فيلزم أن يكون معرفة العارفين قدرا زائدا على ما عند غيرهم، وليس إلا القواعد والضوابط.
٣- إنه حيث كان علم العروض واصطلاحاته معلوما لدى بعض العرب كما صرح به الوليد بن المغيرة إذ قال في القرآن لما قيل انه شعر:
لقد عرضته على هزجه ورجزه فلم أره يشبه شيئا من ذلك، والشعر لم بكن إلا لأفراد من العرب، فلأن تكون قواعد العربية التي هي لسانهم جميعا معلومة عند البعض أولى.
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش