بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ( ١ ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( الأنفال : ١-٤ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
والآذان : الإعلان بما ينبغي أن يُعْلم. ويوم الحج الأكبر : هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج ويجتمع فيه الحاج لإتمام مناسكهم.
الإيضاح :
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله أي هذا إعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافات شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام، وهو يوم الحج الأكبر يوم النحر الذي فيه تنتهي فرائض الحج، ويجتمع الحجاج لإتمام مناسكهم وسننهم في منى.
ثم أكد ما يجب أن يبلَّغوه بلا تأخير بقوله :
فإن تبتم فهو خير لكم أي قولوا لهم : فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم بنقض العهد وقبلتم هدى الإسلام، فذلك خير لكم من الدنيا والآخرة، لأن في هدايته سعادتكم فيها.
وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه فلن تُفْلتوا من حكم سننه ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال : والعاقبة للمتقين ( الأعراف : ١٢٨ ).
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم أي وبشر أيها الرسول الكريم من جحد رسالتك ولم يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر بعذاب أليم في الآخرة.
وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من الله عز وجل، و استعمال البشارة فيما يسوء ويكره ضرب من التهكم كما لا يخفى.
تفسير المراغي
المراغي