ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

ثم قال تعالى : وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر وأذن من الله ورسوله إلى الناس جملة معطوفة على جملة ؛ لأن جملة : وأذن من الله ورسوله إلى الناس [ التوبة : آية ٣ ] معطوفة على قوله : براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين ( ١ ) [ التوبة : آية ١ ] ويجوز في قوله : وأذان من الله من الإعراب الوجهان الجائزان في ( براءة ) ١ يجوز أن يكون ( أذان ) خبر مبتدأ محذوف، أي : هذا أذان من الله. ويجوز أن يكون ( أذان ) مبتدأ سوغ الابتداء فيه بالنكرة كونها وصفت بقوله : من الله ورسوله .
والأذان معناه : الإعلام، وهو اسم مصدر ( أذن ) ( يؤذن ) ( أذانا )، ( وآذن ) ( يوذن ) ( أذانا ) والعرب ربما جعلت ( الفعال ) قائما مقام " التفعيل " ؛ لأن العرب تقول : آذنته أعلمته، وأذنت أعلمت. ومعروف في علم التصريف أن ( فعل ) بالتضعيف ينقاس مصدرها على ( التفعيل )، ولكنه يسمع كثيرا إتيان المصدر منها على ( الفعال ) كما قالوا : سلم عليه سلاما، أي " تسليما. وكلمه كلاما، أي : تكليما. وطلقها طلاقا، وبينه بيانا. إلى غير ذلك من الأوزان. وكذلك ربما جاء ( الفعال ) في موضع ( الإفعال ) كقول العرب : آمنته أومنه إيمانا. إذا جعلته في أمان. فإنهم يقولون : آمنه أمانا، وآذنه أذانا، أي : أعلمه إعلاما. والأذان في لغة العرب : الإعلام. قال بعض العلماء : هو الإعلام المقترن بنداء ؛ لأن اشتقاقه من الأذن ؛ لأن النداء يقع في الأذن فيحصل بذلك الفهم والإعلام، ومنه الأذان للصلاة ؛ لأنه إعلام بها بنداء. وكون الأذان بمعنى الإعلام معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحارث بن حلزة ٢ :

آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
يعني أعلمتنا ببينها.
وأذان من الله هذا الأذان كائن مبدؤه ورسوله إلى جميع الناس يوم الحج الأكبر [ التوبة : آية ٣ ] أصل الحج في لغة العرب جرى على ألسنة العلماء أنهم يقولون : الحج في اللغة القصد ٣. والحج في لغة العرب أخص من مطلق القصد ؛ لأن الحج في اللغة لا يكاد تطلقه العرب إلا على قصد متكرر لأهمية في المقصود. فكل حج قصد، وليس كل قصد حجا ؛ لأن الحج هو القصد المتكرر لأجل الأهمية الكائنة في المقصود. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول المخبل السعيدي حيث قال ٤ :
ألم تعلمي يا أم أسعد أنما تخطاني ريب المنون لأكبرا
وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا
" سبه " يعني به عمامته، أي : يقصدون عمامته – عبر بها عن شخصه – قصدا كثيرا متكررا لأهمية ما يرونه عنده من النوال هذا أصل الحج.
ومعروف أن الحج في اصطلاح الشرع ٥ : هو الأفعال والأقوال التي تقال في المنسك المعروف.
قال بعض العلماء : وإنما قال له الأكبر ؛ لأن العرب ربما كانوا يقولون : حج أصغر، وحج أكبر، يعنون الأصغر : العمرة لنقصان أعمالها عن أعمال الحج ٦.
واختلف في يوم الحج الأكبر ٧ فذهبت جماعة من العلماء إلى أن المراد به يوم عرفة. وعليه فمبدأ النداء بالأربعة الأشهر كائن ابتداء تأجيله من يوم عرفة. وقالت جماعة آخرون : هو يوم النحر. وخلاف العلماء في يوم الحج الأكبر هل هو يوم عرفة أو يوم النحر مشهور معروف، وكان بعض المحققين يختار أنه يوم النحر لأمور، منها : أنه جاءت بذلك روايات صحيحة، كرواية أبي هريرة في صحيح البخاري ٨. وقالوا : ولأن أكثر أفعال الحج إنما تكون يوم النحر ؛ لأنه هو اليوم الذي يطاف فيه طواف الإفاضة، وينحر فيه، ويحلق فيه، ويقضى فيه التفث، وأن يوم عرفة لا يختص بشيء خاص من مناسك الحج ؛ لأن الوقوف وإن كان ركنا من أركان الحج فنفس اليوم لا يختص به عن الليلة لإجماع العلماء على أن من أركان الحج فنفس اليوم لا يختص به عن الليلة لإجماع العلماء على أن من وقف بعرفة ليلة النحر أن ذلك يجزئه، بعضهم يقول : يلزمه دم لفوات النهار، وبعضهم يقول : حجة كامل – كمالك وأصحابه – ولا دم عليه. وقولهم : " الحج عرفة "، قالوا : لا يرد على هذا ؛ لأن عرفة شامل لليل والنهار، فالوقوف الذي هو الركن الأعظم في الحج يكون في الليل، ولا يشترط أن يكون في النهار، والكلام في خصوص اليوم.
وقال بعض العلماء : يوم الحج الأكبر هو جميع أيام الحج ؛ لأن العرب تقول : يوم صفين، ويوم الجمل، ويوم بعاث، وهو زمن يتناول أياما معدودوة متعددة، وأنه يشمل الجميع. وهذا أيضا لا بأس به.
وجمهور العلماء على أن ابتداء تأجيل هذه الأشهر الأربعة هي من يوم النحر، وأن انقضاؤها في العاشر من ربيع الثاني ؛ لأن هذه الأشهر الأربعة عشرون منها من ذي الحجة من يوم الحج الأكبر، ثم منها المحرم كاملا، وصفر كاملا، وربيع الأول كاملا، وعشر من ربيع الثاني، فتتم هنالك الأشهر الأربعة، وعلى هذا جماهير العلماء.
وقد اشتهر قول هنا عن الزهري لا شك في غلطه، وإن كان قائله جليلا ؛ لأنهم ذكروا عن الزهري ( رحمه الله ) أن أول هذه الأشهر الأربع أنه من ابتداء شوال، وأنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وتنتهي بانتهاء المحرم ٩. وهذا لا يتمشى مع أن ابتداء الأذان صرح الله بأنه يوم الحج الأكبر.
فالتحقيق هو ما قاله الجمهور لا ما قاله الزهري ( رحمه الله )، إن صح عنه فهو غلط منه. وهذا معنى قوله : وأذن من الله ورسوله إلى الناس عامة يوم الحج الأكبر هذا الإعلام هو إعلام بأن الله بريء من المشركين، ورسوله بريء منهم أيضا، فالله بريء من المشركين بريء من ذمتهم وعهدهم، لا عهد لهم عليه يأمر به، ولم يلتزم لهم بشيء، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال لهم : فإن تبتم عن ذنوبكم وشرككم فهو خير لكم وصيغة التفضيل هنا ليست على بابها ؛ لأن الكفر بالله لا خير فيه أصلا، فلا معنى للتفضيل فيه فهو خير لكم وإن توليتم أي : ثبتم على كفركم وما أنتم عليه من الشرك.
فاعلموا أنكم غير معجزي الله فسرناه الآن.
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم اعلم أن التحقيق أن ( البشارة ) في لغة العرب هي الإخبار بما يسر، والإخبار بما يسوء أيضا. فمن أخبرته بما يسره فقد بشرته، ومن أخبرته بما يسوؤه فقد بشرته ١٠ ؛ ولذا قال : فبشرهم بعذاب أليم [ آل عمران : الآية ٢١ ] والقرآن في غاية الفصاحة والإعجاز، وإطلاق البشارة على الإخبار بما يسر معنى معروف في كلام العرب، ومنه قوله الشاعر ١١ :
أبشرني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر
وقول الثاني ١٢ :
يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلك من بشير
هذا هو التحقيق أنها أساليب عربية، وأن البشارة تغلب للإخبار بما يسر، وأنها تطلق على الإخبار بما يسوء، هذا هو الظاهر، ومعلوم أن علماء البلاغة يقولون : إن البشارة حقيقة في الإخبار بما يسر، وأما البشارة بما يسوء فهي مما يسمونه الاستعارة ( العنادية ) المعروفة عندهم، وهي منقسمة إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف مقرر في علم البيان عند أهله ١٣.
ونحن نقول دائما : إن مثل هذا أساليب عربية نطقت بها العرب، وكلها أسلوب عربي فصيح في محله، هذا معنى قوله : فبشرهم بعذاب [ آل عمران : ٢١ ] الظاهر أن تنكير العذاب هنا للتفخيم والتعظيم، ومن المعاني التي يستجلب لها التنكير : التفخيم والتعظيم، ويدل على هذا قوله : أليم والأليم :( فعيل ) بمعنى ( مفعل ) أي : مؤلم. واعلم أن إتيان ( الفعيل ) بمعنى ( المفعل ) لا يكون في اللغة بمعنى ( المفعل ) فهو خلاف التحقيق ١٤. فمعنى أليم : مؤلم، أي : شديد الألم، وإتيان ( الفعيل ) بمعنى ( المفعل ) أسلوب عربي معروف يكثر في كتاب الله وفي لغة العرب، ومن إتيانه في القرآن قوله : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد [ سبأ : آية ٤٦ ] وقوله : نذير أي : منذر فهو ( فعيل ) بمعنى ( مفعل ) أليم . بمعنى مؤلم. وقوله : ضرب وجيع. بمعنى : موجع، وهذا معنى معروف في كلام العرب، وله أمثلة في القرآن كقوله : بديع السموت [ البقرة : آية ١١٧ ] أي : مبدعهما إني لكم نذير أي : منذر، ومن نظائره من كلام العرب قول غيلان بن عقبة ذي الرمة ١٥ :
ويرفع من صدر شمردلات يصك وجوهها وهج أليم
وقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي ( رضي الله عنه ) ١٦ :
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله : " السميع " يعني : المسمع. وقوله في قصيدته هذه ١٧ :
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
أي : ضرب موجع. وهذا معنى قوله : وبشر الذين كفروا بعذاب أليم [ التوبة : آية ٣ ].
١ انظر: الدر المصون (٦/ ٦)..
٢ مضى عند تفسير الآية (١٦٨) من سورة الأنعام..
٣ انظر: القاموس (مادة: الحج) ٢٣٤، المفردات (مادة: حج) ٢١٨، المصباح المنير (مادة: حج) ص ٤٧..
٤ البيتان في المشوف المعلم (١/ ٢٣١)، ولفظ البيت الأول فيه:
ألـــم تــعـــلـــمـــي يـــا أم عــــمـــرة أنـــنــــي تـــخــــطـــانـــــي ريــــــب الــــزمـــــان لأكــــــبــــرا
.

٥ انظر: القاموس الفقهي: ص (٧٦ - ٧٧)..
٦ انظر: التمهيد (١/ ١٢٥)، ابن جرير (١٤/ ١٢٩)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٤٧)، والبغوي (٢/ ٢٦٨)، وابن عطية (٨/ ١٢٨)، والمجموع (٨/ ٢٢٣)، وابن كثير (٢/ ٣٣٢)، والدر المنثور (٨/ ١٢٨)، حصول الأجر في أحكام وفضل العمل في أيام العشر ص ١٢٢..
٧ انظر سنن سعيد بن منصور (٥/ ٢٣٦ - ٢٤١)، التمهيد (١/ ١٢٥)، ابن جرير (١٤/ ١١٣)، القرطبي (٨/ ٦٩)، المجموع (٨/ ٢٢٣)، تفسير البغوي (٢/ ٢٦٨)، تفسير ابن عطية (٨/ ١٢٧)، تهذيب السنن لابن القيم (٢/ ٤٠٦)، زاد المعاد (١/ ٥٤)، تفسير ابن كثير (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٥)، فتح الباري (٨/ ٣٢١)، الدر المنثور (٣/ ٢١١)، حصول الأجر في أحكام وفضل العمل في أيام العشر ص ١١٦..
٨ ولفظه: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى...." البخاري في التفسير، باب فسيحوا في الأرض أربعو أشهر واعلموا.... حديث رقم: (٤٦٥٥) (٨/ ٣١٧)..
٩ أخرجه ابن جرير (١٤/ ١٠١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٤٧)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٤١٢)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٢١١) وعزاه لعبد الرزاق وابن أبي حاتم..
١٠ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام..
١١ السابق..
١٢ السابق..
١٣ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام..
١٤ مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف..
١٥ السابق..
١٦ مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف..
١٧ السابق..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير