ولم يكن من الله عهد بين الخلق بكى عزير على التوراة فاتاه ملك باناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة فى صدره فقال لبنى إسرائيل يا قوم ان الله بعثني إليكم لاجدد لكم توراتكم قالوا فاملها علينا فاملاها عليهم من ظهر قلبه ثم ان رجلا قال ان أبى حدثنى عن جدى ان التوراة جعلت فى خابية ودفنت فى كرم كذا فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا فقالوا ان الله تعالى لم يقذف التوراة فى قلب رجل الا انه ابنه فعند ذلك قالت اليهود المتقدمون عزير ابن الله وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ هو ايضا قول بعضهم وانما قالوه استحالة لان يكون ولد بلا أب أو لأن يفعل ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى من لم يكن الها ذلِكَ اشارة الى ما صدر عنهم من العظيمتين قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ اى ليس فيه برهان ولا حجة وانما هو قول بالفم فقط كالمهمل قال الحدادي معناه انهم لا يتجاوزون فى هذا القول عن العبارة الى المعنى إذ لا برهان لهم لانهم يعترفون ان الله لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون ان له ولدا يُضاهِؤُنَ اى يضاهى ويشابه قولهم فى الكفر والشناعة فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه فانقلب مرفوعا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ اى من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون الملائكة بنات الله او اللات والعزى بنات الله قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم جميعا بالإهلاك فان من قاتله الله هلك فهو من قبيل ذكر الملزوم وارادة اللازم لتعذر ارادة الحقيقة ويجوز ان يكون تعجبا من شناعة قولهم من قطع النظر عن العلاقة المصححة للانتقال من المعنى الأصلي الى المعنى المراد أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون من الحق الى الباطل والحال انه لا سبيل اليه أصلا والاستفهام بطريق التعجب اتَّخَذُوا اى اليهود أَحْبارَهُمْ اى علماءهم جمع حبر بالكسر وهو افصح وسمى العالم حبرا لكثرة كتابته بالجر أو لتحبره المعاني او بالبيان الحسن وغلب فى علماء اليهود من أولاد هارون وَرُهْبانَهُمْ اى اتخذوا النصارى علماء هم جمع راهب وهو الذي تمكنت الرهبة والخشية فى قلبه وظهرت آثارها فى وجهه ولسانه وهيئته وغلب فى عباد النصارى واصحاب الصوامع منهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ اى كالارباب فهو من باب التشبيه البليغ. والمعنى أطاعوا علماءهم وعبادهم فيما امروهم به طاعة العبيد للارباب فحرموا ما أحل الله وحللوا ما حرم الله وفى الحديث (ان محرم الحلال كمحلل الحرام) اى ان عقوبة محرم الحلال كعقوبة محلل الحرام وذلك كفر محض ومثاله ان من اعتقد ان اللبن حرام يكون كمن اعتقد ان الخمر حلال ومن اعتقد ان لحم الغنم حرام يكون كمن اعتقد ان لحم الخنزير حلال وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عطف على رهبانهم اى اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا انه ابن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا وجمع اليهود والنصارى فى ضمير اتخذوا لا من اللبس وَما أُمِرُوا اى والحال ان أولئك الكفرة ما أمروا فى التوراة والإنجيل وبادىء العقل إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً عظيم الشأن هو الله تعالى ويطيعوا امره ولا يطيعوا امر غيره بخلافه فان ذلك مخل بعبادته فان جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة واما إطاعة الرسول وسائر من امر الله بطاعته فهى فى الحقيقة إطاعة الله تعالى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لالها سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ما مصدرية اى
صفحة رقم 415
قويا قاتلهم الله وانما عبر عن الاخذ بالأكل مع ان المذموم منهم مجرد أخذها بالباطل اى بطريق الارتشاء سواء أكلوا ما أخذوه أو لم يأكلوا بناء على ان الاكل معظم الغرض من الاخذ وَيَصُدُّونَ اى يمنعون الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دين الإسلام او يعرضون عنه بانفسهم بأكلهم الأموال بالباطل وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اى يجمعونهما ويحفظونهما سواء كان ذلك بالدفن او بوجه آخر والكنز فى كلام العرب هو الجمع وكل شىء جمع بعضه الى بعض فهو مكنوز يقال هذا جسم مكتنز الاجزاء إذا كان مجتمع الاجزاء وسمى الذهب ذهبا لانه يذهب ولا يبقى وسميت فضة لانها تنفض اى تنفرق ولا تبقى وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما وانه لا بقاء لهما- يقال- لما خرج آدم عليه السلام من الجنة بكى له كل شىء فيها إلا شجرة العود والذهب والفضة فقال الله تعالى لو كان فى قلوبكم رأفة لبكيتم من خوفى ولكن من قسا قلبه أحرقته بالنار وعزتى وجلالى لا يصاغ منكم حلقة ولا دينار ولا درهم ولا سوار الا بتوقد النار وأنت يا شجرة العود لا تبرحي فى النار والأحزان الى يوم القيامة. ثم المراد بالموصول ما يعم الكثير من الأحبار والرهبان وغيرهم من المسلمين الكانزين الغير المنفقين وهو مبتدأ خبره فبشرهم وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى لا ينفقون منها اى يؤدون زكاتها ولا يخرجون حق الله منها فحذف من وأريد إثباتها بدليل قوله تعالى فى آية اخرى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً وقال عليه السلام (فى مائتى درهم خمسة دراهم وفى عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال) ولو كان الواجب انفاق جميع المال لم يكن لهذا التقدير وجه كما فى تفسير الحدادي وانما قيل ولا ينفقونها مع ان المذكور شيآن لان المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة وقيل الضمير يعود على الأموال او على الكنوز المدلول عليها بالفعل او على الفضة لكونها اقرب فاكتفى ببيان أحدهما عن بيان الآخر ليعلم بذلك كقوله تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وكذا الكلام فى قوله عَلَيْها الآتي فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وضع الوعيد لهم بالعذاب موضع البشارة بالتنعم لغيرهم يَوْمَ منصوب بعذاب يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ يقال حميت النار اى اشتدت حرارتها اى يوم توقد النار الحامية اى الشديدة الحرارة على تلك الدنانير والدراهم وعليها فى موضع رفع لقيامه مقام الفاعل فَتُكْوى [پس داغ كرده شود] بِها [بدان دينارها ودرمهاى سوزان] جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ وانما تكوى هذه الأعضاء دون غيرها لان الغنى إذا رأى الفقير الطالب للزكاة كان يعبس جبهته وإذا بالغ فى السؤال يعرض عنه بجنبه وإذا بالغ يقوم من موضعه ويولى ظهره ولم يعطه شيأ غالبا أو لأن مقصود الكانز من جميع المال لما كان طلب الوجاهة بالغنى تعلق الكي بأعلى وجهه وهو الجبهة ولما قصد به ايضا التنعم بالمطاعم الشهية التي ينتفخ بسببها جنباه وبالملابس البهية التي يلقيها على ظهره تعلق الكي بالجنوب والظهور ايضا هذا ما كَنَزْتُمْ اى يقال لهم حين الكي فى ذلك اليوم هذا ما جمعتم فى دار الدنيا لِأَنْفُسِكُمْ اى لمنفعتها فكان عين مضرتها وسبب تعذيبها فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ
صفحة رقم 418
تَكْنِزُونَ
اى وبال كنزكم فما مصدرية والمضاف محذوف لان المعنى المصدري ليس بمذوق وانما يذاق وباله وعذابه وانما ذاقوه فى الآخرة لانهم فى الدنيا فى منام الغفلة عن الآخرة والنائم لا يذوق ألم الكي فى النوم وانما يذوقه عند الانتباه والناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا
| مردمان غافلند از عقبى | همه كويا بخفتگان مانند |
| ضرر غفلتى كه مى ورزند | چون بميرند آنگهى دانند |
| يكدرم كان دهى بدرويشى | بهتر از كنجهاى مدخرست |
| زانچهـ دارى تمتعى بر دار | كان دكر روزى كسى دكرست |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء