ليعلي الإسلام على الملل كلها، وَلَوْ كَرِهَ، ذلك المشركون.
قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام.
وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها.
فتكون " الهاء " للنبي ﷺ، وهو قول ابن عباس.
وفي القول الأول: " الهاء " تعود على: " الدِّينِ.
قوله: يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان، إلى [قوله]: مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ.
قوله: والذين يَكْنِزُونَ.
والذين: في موضع رفع عطف على الضمير في: " يأكلون "، فيكون التقدير:
لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب.
وقيل: الذين: في موضع رفع بالابتداء.
ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ، بما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل: الأحبار: القراء: لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل، ويأكلها معهم والذين يَكْنِزُونَ الذهب، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله تعالى، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام.
و" الكَنْزُ ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته.
وقوله: وَلاَ يُنفِقُونَهَا.
أي: لا يؤدون زكاتها.
قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً.
ورُوي عن علي رضي الله عنهـ: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " / فإن زادت فهو " كنز "، أدّيت زكاته أو لم تُؤد.
قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا.
وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: ١٠٣].
و " الكنْزُ " في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ.
قوله: وَلاَ يُنفِقُونَهَا.
ولم يقل: " يُنفقونهما "، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة.
وقيل: إن الضمير يرجع على: " الأموال " التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل.
وقيل: الضمير يعود على: " الفضة "، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام
عليه، كأنه قال: وَلاَ يُنفِقُونَهَا و " يُنفقونه "، ثم حذف كما قال:
| نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا | عِنْدَكَ رَاضٍ.... |
و " يُنفقونها "، والعرب تقول: " هي الذهب [الحمراء] "، فتؤنث.
وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة.
وقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع.
وليس بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، بتمام؛ لأن يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا، منصوب بـ: أَلِيمٍ.
و (الضمير في عَلَيْهَا، فيه من الوجوه، ما في: يُنفِقُونَهَا، وكذلك الضمير في بِهَا.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي