سورة التوبة- سورة براءة
عدد آياتها ثلاثون ومائة وهي مدنية
ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، والمُدَمْدمة والمُخْزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على المشركين في الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها- أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلُّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بُدِئ به في الأولى أُتم في الثانية.
وهاك أمثلة على ذلك :
تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب.
ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ( التوبة : ١٧ ) إلى آخر الآيات.
ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
جاء في الأولى ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض- وفصل ذلك في الثانية أتمّ تفصيل.
تنبيه : لم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة. وقيل لأنها جاءت لرفع الأمان والابتداء بالبسملة مذكورا فيها اسم الله موصوفا بالرحمة يوجبه.
تفسير المفردات :
قولهم. وتقليب الشيء : تصريفه في كل وجه وجوهه والنظر في كل ناحية من أنحائه ؛ والمراد : أنهم دبروا الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في كل وجه لإبطال دينك.
الإيضاح :
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون أي ولقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين وتفريق شملهم من قبل هذه الغزوة في غزوة أحد حين اعتزلهم عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، وطفق يقول للناس : أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا ؟ وكان من رأيه عدم الخروج إلى أحد فرجع بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة فيرجعون ولكن عصمهما الله من الفتنة.
وكان دأب المنافقين أن يدبروا له الحيل والمكايد ليبطلوا أمره، فكان لهم ضَلْع مع اليهود وضلع مع المشركين في كل ما فعلا من عداوته وقتال المؤمنين- حتى جاء النصر الذي وعده ربه وظهر دين الله وعلا شرعه بالتنكيل باليهود الغادرين الناكثين للعهود، والنصر على المشركين بفتح مكة ودخول الناس في الإسلام أفواجا وهم كارهون لذلك، حتى لقد كانوا يُمنون أنفسهم بظهور المشركين على المؤمنين في حنين وعودة الشرك إلى قوته.
وفي الآيتين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المنافقين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله، وفيه هتك أستارهم وإزاحة أعذارهم.
تفسير المراغي
المراغي