ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى :
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقبلّوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ( ٤٨ ) والحق سبحانه وتعالى يريد أن يذكر المؤمنين بالوقائع السابقة التي ارتكبها المنافقون والكفار تجاه الإسلام والمسلمين من : مؤامرات على الإسلام، ومحاولات فلإيقاع بين المسلمين ؛ والتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى : ابتغوا الفتنة من قبل له صلى الله عليه وسلم دليل على تلك الوقائع السابقة١. أما قوله تعالى : وقلبوا لك الأمور . فالتقليب : هو جعل أسفل الشيء عاليه، وعاليه أسفله ؛ حتى لا يستتر منه شيء. وهذا مظهر نراه في السوق ؛ عندما تذهب عند الفاكهي ونجد ما هو موجود في أعلى الفاكهة منتقى بعناية، فإذا اشتريت منه ملأ لك الكيس من الصنف الرديء الذي أخفاه أسفل القفص. وهكذا يأتي لك بالأسفل أو بالشيء الرديء المكشوف عورته. والذي لا يمكن أن تشتريه لو رأيته ويضعه لك٢.
وهكذا يفعل المنافقون حين يقلبون الأمر على الوجوه المختلفة حتى يصادفون ما يعطيهم أكبر الشر للمؤمنين دون أن يصابوا بشيء. والمثال الواضح : عندما تآمرت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءوا من كل قبيلة بشاب ليضربوه ضربة رجل واحد ليضيع دمه بين القبائل.
لكن الحق سبحانه يأتي إلى كل هذه الفتن ويجعلها لصالح المؤمنين، ولذلك يقول جل جلاله : حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فالتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة قتله جعل الأمور تؤدي إلى هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة وخروجه منها مما جعله الله سبحانه وتعالى سببا في إظهار الحق وانتشار الإسلام ؛ لأن الله لا يرسل رسولا ثم يخذله، فما دام قد أرسل رسولا فلا بد أن ينصره٣، فأريحوا أنفسكم، ولا تبغوا الفتنة ؛ لأن السابق من الفتن انقلب عليكم وأدى إلى خير كثير المؤمنين.
وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى :
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين( ١٧١ ) إنهم لهم المنصورون( ١٧٢ ) وإن جندنا لهم الغالبون( ١٧٣ ) ( الصافات ) .
وقوله تعالى : وإن جندنا لهم الغالبون وهو قضية كونية عقدية، فإذا رأيت قوما مؤمنين التحموا بقتال قوم كافرين وانهزموا، فاعلم أنهم ليسوا من جنود الله حقا، وأن شرطا شروط الجندية لله قد اختل. ولذلك علينا أن نحاسب أنفسنا أولا.
فمثلا في غزوة أحد، عندما طلب رسول اله صلى الله عليه وسلم من الرماة ألا يتركوا أماكنهم فخالفوه٤، هنا اختل شرط من شروط الجندية لله وهو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فماذا كان يحدث للإسلام لو أن هؤلاء الرماة خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتصروا ؟ لو حدث ذلك لهانت أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام على المؤمنين. ويوم حنين، حين اعتقد المؤمنون أنهم سينتصرون بكثرتهم وليس بإيمانهم، وكانت النتيجة أن أصيبوا بهزيمة قاسية أول المعركة ؛ لتكون لهم درسا إيمانيا. ولذلك إذا رأيت إيمانا انهزم أمام الكفر، فاعلم أن شرطا من شروط الجندية الإيمانية قد اختل. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى :
{ وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا كثير لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين( ١٤٦ ) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين( ١٤٧ ) ( آل عمران )
إذن : فأول شيء فعله هؤلاء المقاتلين ؛ أنهم عرفوا أن الذنوب يمكن أن تأتي إليهم بالهزيمة، فاستغفروا الله وتابوا إليه وحاربوا فنصرهم الله، وإذا حدث ولم ينتصر المؤمنون ؛ فمعنى هذا أن هناك خللا في إيمانهم ؛ لأن الله لا يترك قضية قرآنية لتأتي حادثة كونية فتكذبها.

١ انظر: تفسير ابن كثير(٢/٣٦١). أما القرطبي فقد قال في تفسير الآية(٤/٣٠٨٣):" أي: لقد طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوحي بما سيفعلونه. وقال ابن جرير: أراد اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة لتفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم..
٢ وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم مر على صبرة فأدخل يده فيها. فنالت أصابعه بللا. فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء ي رسول الله. قال:"أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني" أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٢) وأحمد في مسنده (٢/٢٤٢) والترمذي في سنته (١٣١٥) عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح..
٣ وفي هذا يقول عز وجل:إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد(غافر: ٥١)..
٤ عن البراء لبن عازب قال:"لقين المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، وإن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" ولكنهم خالفوه صلى الله عليه وسلم فوقع سبعون قتيلا من المسلمين. ، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٤٣) وأحمد في مسنده (٤/٢٩٤).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير