ثم يقول الحق جل وعلا.
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه يجمحون( ٥٧ ) .
والملجأ : هو ما نلجأ إليه ليحمينا من الأذى مثل الحصون، وكذلك المغارة وهي الكهف في الجبل. والمدخل : هو شيء يشبه النفق تحت الأرض تدخل فيه بمشقة والتواء، إذن : فهناك ثلاثة ملاجئ يفرون إليها إن وجدوا في المعركة ؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وهم يتمنون الذهاب إلى مكان بعيد ؛ ليسبوا الإسلام على ما هم فيه من مشقة القتال، وهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك أمام المسلمين ؛ لذلك تجدهم في حالة بحث عن مكان لا يسمعهم فيه أحد.
لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون فالكلام إذن عن المنافقين الذين ذكر الحق أوصافهم، وعهودهم التي نقضوها، وحلفهم كذبا، وما يعيشه كل منهم من تناقض ملكاته، ذلك التناقض الذي يورثه الشقاء ؛ لأن كل واحد منهم يظهر غير ما يبطن ويخاف من انكشاف أمره. فيظل مضطربا لأن ما بداخله يتناقض مع واقع حياته.
إن هذه الحالة هي عكس حالة المؤمن الذي يعيش حيات منسجمة ؛ لأن ما في قلبه هو ما يحكيه لسانهم فضلا عن انسجامه بالإيمان مع الكون الذي يعيش فيه، وكذلك فحالة المنافق تختلف عن حالة الكافر، فالكافر قد أعلن الكفر الذي في قلبه بلسانه. أما المنافق فله قلب يكفر ولسان ينطق كذبا بالإيمان. ولذلك فهو في تعب مستمر من أن ينكشف أمره، أو يعرف المؤمنون ما في قلبه ؛ لأنه يكن الحقد لمنهج الله وإن كان يعلن الحب ظاهرا.
والإنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له بالحب، فإذا هذا السلوك يمثل نقلا نفسيا رهيبا يحمله عن ظهره، وهكذا نرى أن المنافقين يتعبون أنفسهم قبل أن يتعبوا المجتمع، تماما كالرجل البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم، وكلما أنفق قرشا ليؤكد هذا التظاهر فإن هذا القرش يذبحه في نفسيه ويسبب له آلاما رهيبة. وحتى يرتاح الإنسان مع الدنيا لا بد أن يرتاح مع نفسه أولا ويتوافق مع نفسه.
ومن هنا نجد المنافقين حين يريدون أن ينفثوا عما في صدورهم، فهم يختلون بعضهم بعضا بعيدا عن أعين وآذان المسلمين ؛ ليظهروا ما في نفوسهم من حقد وغل وكراهية لهذا الدين، ويبحثون عن ملجأ يكونون آمنين فيه، أو مغارة في الجبل بعيدا عن الناس حتى لا يسمعهم أحد، أو مدخلا وهو المكان الضيق الذي لا تستطيع أن تدخل فيه إلا بصعوبة. هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون فيه عن سمع المؤمنين وأنظارهم ليخرجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون و ولوا أي : انطلقوا إليه وقد شغلهم الإسراع للذهاب إلى المكان عن أي شيء آخر، وهم يجمحون والجماح هو أن تفقد السيطرة على الفرس الذي تركبه، فلا تقدر على كبح جماحه أو التحكم فيه، فينطق بسرعة، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحد منعه، وإن تعرض له أحد دفعه بعيدا لينطلق بسرعة.
والآية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة. فبمجرد بدء القتال تجدهم لا يتجهون إلى الحرب، ولا إلى منازلة١ العدو، ولا يطلبون الاستشهاد، ولكنهم في هذه اللحظة التي يبدأ فيها القتال يبحثون عن مكان آمن يهربون إليه، أو مغارة يختبئون فيها، أو مدخل في الأرض ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال. فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا إلى صفوف المسلمين، ذلك أنهم لا يؤمنون. فكيف يقاتلون في سبيل دين لا يؤمنون به ؟ ولذلك كنت تجدهم في المدينة إذا نودي للجهاد فهو أول من يحاول الهروب ويذهبون للقاء النبي صلى الله عليه وسلم طالبين التخلف عن المعركة، ويقول الواحد٢ منهم : ائذن لي ولا تفتني.... ( ٤٩ ) ( التوبة ).
٢ هو الجد بن قيس، وقد سبق الكلام عليه في تفسير الآية المذكورة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي