وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( التوبة : ٦١ ).
تفسير المفردات : الأذى : ما يؤلم الحي المدرك في بدنه أو في نفسه ولو ألما خفيفا، يقال : أُذِي بكذا أذى وتأذى تأذيا إذا أصابه مكروه يسير. والأذن : هو الذي يسمع من كل أحد ما يقوله فيقبله ويُصَدّقه، ويقولون رجل أذن : أي يسرع الاستماع والقبول. ويؤمن للمؤمنين : أي يصدقهم لما علم فيهم من علامات الإيمان الذي يوجب عليهم الصدق.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن من دلائل نفاقهم الطعن في أفعاله صلى الله عليه وسلم كإيذاء الذين لمزوه في قسمة الصدقات- قفى على ذلك بذكر من طعن في أخلاقه وشمائله الكريمة بقولهم : إن محمدا أذن نحلف له فيصدقنا.
روى ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان نَبْتَلُ بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه الله فأنزل الله الآية.
وروي أنه اجتمعت ناس من المنافقين فيهم جُلاس بن سُوََيد بن صامت ومِخَشَّ بن حِمْير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم، وقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا فنزل : ومنهم الذين يؤذون النبي الآية.
الإيضاح :
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي ومن المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ويقولون هو أذن سامعة : أي يسمع من كل أحد ما يقوله ويقبله ويصدقه، وهم يريدون بذلك أنه سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع دون أن يتدبر فيه ويميز بين ما هو جدير بالقبول لوجود أمارات الصدق فيه، وما لا ينبغي قبوله، وهذا عيب في الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من تقريب المنافقين وإبعاد الناصحين، وإنما قالوا ذلك لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعاملهم بأحكام الشريعة كما يعامل عامة المؤمنين بالبناء على الظاهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له.
قل أذن خير لكم أي إنه أذن ولكنه نعم الأذن، لأنه أذن خير لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا ما يعتقد أنه الحق وما فيه المصلحة للخلق، وليس بأذن في سماع الباطل كالكذب والنميمة والجدل والمراء، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه كما هو شأن الملوك والزعماء الذين يتقرب إليهم أهل الأهواء بالسعاية لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبتغون إيذاءه.
ثم بيّن سبحانه المراد من أذن الخير بقوله :
يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي يصدق بالله وبما يوحى إليه مما فيه خيركم وخير غيركم، ويصدق المؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار، لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق فيما يحدثونه به.
وفي هذا إيماء إلى أنه لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم ولا يصدقهم في أخبارهم وإن وكدوها بالأيمان اغترارا بلطفه وأدبه صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يواجه أحدا بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه.
ورحمة للذين آمنوا منكم أي وهو رحمة للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا صادقا، إذ كان سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لمن أظهر الإسلام وأسرّ الكفر نفاقا، إذ هو نقمة عليه في الدارين.
والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم أي والذين يؤذون الرسول بالقول أو بالفعل فجزاؤهم العذاب الشديد الإيلام.
وفي هذه الآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم كفر إذا كان فيما يتعلق برسالته، لأن ذلك لا ينافي الإيمان، وأما إيذاؤه في شؤونه البشرية والعادات الدنيوية فحرام لا كفر كإيذاء الذين كانوا يطيلون المكث في بيوته لدى نسائه بعد الطعام وفيهم نزل : إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ( الأحزاب : ٥٣ ) وإيذاء الذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه ويسمونه باسمه كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ( الحجرات : ٢ ).
وإيذاؤه صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى كإيذائه في حال حياته كالخوض في أبويه وآل بيته بما يعلم أنه يؤذيه لو كان حيا، فالإيمان به صلى الله عليه وسلم مانع من تصدي المؤمن لما يعلم أو يظن أنه يؤذيه صلوات الله عليه إيذاء ما، فهذا الذنب من أكبر الذنوب ومعصية من أعظم المعاصي.
تفسير المراغي
المراغي