وهنا يبين الحق صورة جديدة وتصرفاتهم فيقول :
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا ومنكم الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم( ٦١ ) .
ونعلم أن الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بعد النبوة، وكان بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن على ألسنتهم :
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ( ٣٢ ) ( الأنفال ).
وهذا دعاء من لا عقل له، ولو كانوا يعقلون لقالوا : إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا يا رب إليه أو اجعلنا نؤمن به، ولكنهم من فرط حقدهم وضلالهم، تمنوا العذاب على الإيمان بالحق. وهذا يكشف لنا تفاهة عقول الكفار.
وهنا يقول الحق سبحانه١ : ومنهم الذين يؤذون النبي والذين يؤذون لرسول الله صلى الله عليه وسلم هم السادة، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون أن يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم ؛ وثرواتهم ؛ وما أخذوه ظلما من الضعفاء. والضعفاء-كما نعلم- هم أول من دخل إلى دين الإسلام ؛ لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء واستغلالهم ونفوذهم. وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمنا، وشاء سبحانه أن يضم إلى الإيمان عددا من الأغنياء ؛ ومن رجال القمة مثل : أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، حتى لا يقول أقوياء قريش قال قوم نوح لنبيهم : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرذالنا... ( ٢٧ ) ( هود ).
وهكذا كان الإيذاء له صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة، وأما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو : الأمين والصادق والمؤتمن.
ومن العجيب أنهم، بعد أن نزل الوحي، كانوا لا يستأمنون أحدا مثلما يستأمنون محمدا صلى الله عليه وسلم. فإذا كان كل شيء ثمين عند الكافرين والمعارضين، ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحفوا هذه الأشياء الثمينة عنده. وهذا التناقض لا يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك كانوا في غيظ وكمد ؛ لأن القرآن قد نزل عليه. والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( ٣١ ) ( الزخرف ).
وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن، بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحد عظمائهم٢. ورد الحق سبحانه وتعالى عليهم : أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا... ( ٣٢ ) ( الزخرف ).
وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع الله سبحانه، فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته، ورسالته، ولكنه سبحانه هو الذي يختار. وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كان لأحد نعمة من مال أو جاه أو مجد، أو غير ذلك. فهذا ليس من قدرات البشر أو من ذواتهم، ولكنه نعمة من الله. وهنا يقول الحق سبحانه : ومنهم الذين يؤذون النبي إذن : فالإيذاء سببه أنه صلى الله عليه وسلم جاء بدعوة الخير، ولا يجيء رسول بدعوة الخير إلا إذا كان الشر قد عم المجتمع. وحين يعم الشر في المجتمع فهناك مستفيدون منه، فإذا أتى رسول الله بالخير أسرع جنود الشر ليؤذوا صاحب رسالة الخير، إذن : فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء.
والحق سبحانه وتعالى يقول :
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا... ( ١١٢ ) ( الأنعام ).
بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة الله ليبلغها إلى الأجيال التالية، وإن لم يكن له أعداء، أنقص ذاك من حظه في ميراث النبوة، وكل من له الأعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج الله، نقول له : لا تنزعج، واطمئن ؛ لأن معنى وجود من يعاديك، أن فيك أثرا من آثار النبوة.
وتمثل إيذاء المنافقين له صلى الله عليه وسلم في عدة صور ؛ منها قولهم : ويقولون هو أذن .
وللإنسان –كما نعلم- وسائل متعددة : فالأذن وسيلة إدراك، والعين وسيلة إدراك، والجوارح كلها وسائل إدراك. وكل إنسان له ملكات متعددة، منها ملكات إدراكية وملكات نفسية، والملكات الإدراكية هي التي يدرك بها الأشياء مثل : السمع والبصر والشم والذوق. أما الملكات النفسية فهذه يوصف بها الناس. وعلى سبيل المثال : نحن نسمي الجاسوس عينا ؛ لأنه يتجسس وينقل ما يراه إلى غيره. ونسمي الرجل الذي يسمع كل حدث " أذن "، ونسمي اللص الذي يتعدى على مال غيره صاحب اليد الطويلة وهكذا.
إذن : كل جارحة لها حاسة، والنظر والسمع والشم واللمس والذوق كلها من وسائل الإدراك الحسية التي تتكون منها الخمائر المعنوية، ثم تصبح عقائد، فوسائل الإدراك هذه تتلقى من العالم الحسي ما يعطيه لها من معلومات، وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها، وتكون في مجموعها هي ما يعلمه الإنسان ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يمتن على حلقه، فيقول :
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ( ٧٨ ) ( النحل ).
والشكر لا يكون إلا على النعمة، فكأن وسائل الإدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن نشكره عليها ؛ لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئا.
وإذا أطلق على الإنسان اسم جارحة من جوارحه، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه، فكأن قول المنافقين وصفا للرسول هو أذن هو سب للرسول، وكان الواحد منهم يقول : احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكشف نفاقكم ويؤذيكم ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم في رأيهم يصدق كل شيء. أرادوا أن يتهموه صلى الله عليه وسلم أنه لا يمحص القول الذي ينقل إليه ويصدق كل ما يقال له، كما نقول نحن في العامية " فلان ودني " أي : يعطي أذنه لكل ما يقال له.
فيرد عليهم الله : قل أذن خير منكم ، لأنه صلى الله عليه وسلم يستمع لمنهج السماء ويبلغه ليهدي أهل الأرض، إذن : فهو خير الناس كلهم. حتى إذا أخذنا كلامهم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقهم إن كذبوا عليه، فهذا خير لهم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤذيهم، وهو صلى الله عليه وسلم أذن خير لأنه لا يسمع إلا من الله بالوحي. ولذلك قلنا : إن الحكمة من أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يستمع من مساو له، وإنما كان علمه من الله. فإذا كانت الأمية فينا نحن نقيصة ؛ فإنها الكمال كله في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يأخذ إلا من خالقه، وهو أذن خير ؛ لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض.
فإذا كان المنافقون قد قالوا :( هو أذن ) فقد قال سبحانه : قل أذن خير لكم ، وهو خير يعود نفعه على البشرية كلها، ولكن ليس بالمعنى الذي يعيبونه عليه. فهو قد يسمع إساءاتكم، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم.
وما دام هذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا تؤذونه وترهقونه ؟
وفي اللغة ما يسمونه " القول بالموجب " فإن قال لك واحد شيئا تصدقه وتقول له : نعم، ولكن قد تأخذها علة محمل آخر، فإن كان هناك إنسان يكثر الزيادة لإنسان ويقول له : أنا أثقلت عليك، ويرد عليه : أنت أثقلت كاهلي٣ بأيديك، أي أن أفضالك علي كثيرة. وإن قال لك واحد : " أنا طولت عليك "، يرد عليه صديقه : لا، أنت تطولت علي، أي : أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني بمجلسك. إذن : فهو قد وافقه على ما قال ولكنه رد عليه بعكس ما قال.
وهم قد عابوا على الرسول أنه أذن، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته، وإن سمع شيئا تأثر به. وإن سمع شيئا ينغصه ينقلب موقفه من النقيض إلى النقيض. وحاولوا أن يدعوا عليه أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه، وقالوا : إنه صلى الله عليه وسلم أذن ورد الحق سبحانه قل أذن خير وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقا لما قالوه ؛ لأن " أذن " عندهم غير أذن التي اقرها الله سبحانه وتعالى.
وقد يقول بعض السطحيين : إن المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أذن وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له، وليس له حكمة التمحيص والاختيار. لكن لنلتفت إلى الحق قد قال : أذن خير لكم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا من الله، وما يسمعه من الله أطاعه وطبقه، وما سمعه من الناس، عرضه على منهج الله ؛ فإن وافق المنهج نفذه، وإن تعارض مع المنهج رفضه. إذن : فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله، ولا يأتي من رسالته إلا الخير لمن اتبعه.
ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى : أذن خير للمؤمنين، وقال : أذن خير لكم ؟، لأن خيرية رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شملت الجميع وتعدت المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضح منافقا، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء.
وعلى سبيل المثال : كان المنافقون يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله ؛ ويطلبون الإذن بالقعود. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم الإذن. وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول الكريم ويحلفون له كذبا، كان يصدقهم، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام الناس.
إذن : فالخيرية فيه عليه الصلاة والسلام شملت المنافقين لأن خلقه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس. أما الكفار فقد شملتهم الخيرية أيضا ؛ لأن دعوته لهم إلى الإسلام، وإصراره صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوة، جعل عددا من الكفار يسلم ويؤمن، وأصابهم خير عميم من اهتدائهم لدين الحق.
إذن : فقول الحق سبحانه وتعالى : قل أذن خير لكم كأي : للبشرية كلها.
وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه، وما يقصده الله جل جلاله. هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سماعة. والله يقول : إنها أذن خير ؛ وهذا ما يسمونه في اللغة -كما قلنا- :" بالقول الموجب "، أي : أن تتفق مع خصمك فيما قاله، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير.
والمثال أيضا فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى ما قاله على ألسنة المنافقين حين قالوا :
لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.... ( ٨ ) ( المنافقون ).
كانوا يقصدون أنهم هم الأعز، أما الأذل فهم المؤمنون. ووافقهم الحق سبحانه وتعالى على ما قالوا ؛ نعم سيخرج منها الأعز الأذل. ولكنه أراد أن يبين لهم من هم العزيز ومن هو الذليل، فقال : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. ( ٨ ) ( المنافقون )، فكأن الحق سبحانه وتعالى يؤكد لهم أن الأعز سيخرج الأذل، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم العزاء ؛ فيقول لهم : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين هذا ما يسمونه بالقول الموجب، أي : أن تتفق مع من يقول، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر ؛ فتقلب المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير. وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة المخاطب، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه، فتنفجر أساريره ويشعر بالسعادة ؛ ثم بعد ذلك تنقص ما قاله ؛ فيصاب بالذل تماما كما يأتي لسجين يشعر بظمأ شديد ويلح في طلب كوب ماء. فيقول له الحارس : سأحضر لك كوب الماء. وفعلا يحضر الكوب
٢ القريتان هنا: مكة والطائف. وقد اختلف العلماء في تحديد الرجل العظيم المقصود. فمن مكة: الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة. ومن الطائف: عروة بن مسعود أو عمير بن عبد ياليل. قال بن كثير في تفسير(٤/١٢٧): ط الظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان".
٣ الكاهل: هو ما بين كتفي الإنسان..
تفسير الشعراوي
الشعراوي