ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

يقول الله ( جل وعلا ) : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ( ٦١ ) [ التوبة : آية ٦٤ ].
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع : يؤذون النبي بياء مشددة، وقرأه نافع وحده : يؤذون النبيء بهمزة ١. وأبدل ورش ومن وافقه همزة يؤذون فقرأ " : يوذون وقرأ عامة السبعة غير نافع وحده : ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم بضم الذال في الحرفين، وقرأه نافع وحده : أذن بسكون الذال ٢.
وقرأ عامة السبعة غير الكسائي : ورحمة بالرفع، وقرأ الكسائي وحده ورحمة بالخفض ٣.
فعلى قراءة الجمهور فهو عطف على المضاف في قوله :( أذن خير لكم ورحمة ) وعلى قراءة الكسائي ٤ فهو عطف على المضاف إليه. أي :( أذن خير ورحمة لكم ) ٥.
وقوله : ومنهم الذين يؤذون النبي هذا صنف آخر من أصناف المنافقين ؛ لأن الله بين في هذه الآية أصناف المنافقين، قال : ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني [ التوبة : آية ٤٩ ] ومنهم من يلمزك في الصدقت [ التوبة : آية ٥٨ ] ومنهم الذين يؤذون النبي [ التوبة : آية ٦١ ] كان في المنافقين طائفة يبسطون ألسنتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام السيء فيعيبونه ويقولون فيه ما لا ينبغي، وهذا هو قوله : ومنهم الذين يؤذون الني [ التوبة : آية ٦١ ] أي : ومن المنافقين الطائفة الذين يؤذون النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بالاستطالة في عرضه.
ويقولون هو أذن معنى هذا أنه إذا قيل لهم : كيف تقدحون في نبي الله صلى الله عليه وسلم وتعيبونه وهو إن علم بذلك فعل بكم وفعل بكم ؟ فيقولون : لا يهمنا ذلك ؛ لأنه أذن ! ! العرب تقول : فلان أذن : وأذن بالسكون لغة فيه، إذا كان يسمع من كل من جاءه، فإذا كان الرجل كلما جاءه أحد وأخبره سمع منه وصدقه قالت العرب : هذا الرجل أذن. يعنون : هو كلما جاءه أحد بخبر صدقه، ونحن إذا قيل عنا إننا آذيناه جئناه وكذبنا له وحلفنا له فيصدقنا، فنحن نؤذيه ولا تضرنا عاقبة ذلك ؛ لأن مآلنا أن نكذب الحديث ونحلف له عليه، وهو أذن يصدق كل من جاءه بخبر، فيصدقنا ولا ينشأ لنا من ذلك سوء. وهذا معنى قوله : يؤدون الني ويقولون هو أذن لما عابوا النبي صلى الله عليه وسلم آذوه وعابوه بأنه أذن في زعمهم الباطل – قبحهم الله – يعنون : يسمع من كل من حدثه، بين الله أنه أذن ولكنه أذن خير خاصة، لا أذن شر، فإذا جاءه الناس بالخير وبالحق صدقهم في الخير والشر، أما الباطل فليس بأذن فيه ولا بمصدق أحدا فيه، ولا ينفعكم اعتذاركم الباطل. وهذا معنى قوله : قل أذن خير لكم هو أذن خير لكم، أي : يسمع – هو سامع – ولكنه سامع خير، سامع من كل من جاءه بخير وبحق لا من كل من جاءه بشر وببطال مثلكم فليس بأذن له. وهذا معنى قوله : قل أذن خير لكم يؤمن بالله يصدق بالله ( جل وعلا ) التصديق الكامل من الجهات الثلاث، يؤمن بالله تصديقا صحيحا من قلبه ولسانه وجوارحه ( صلوات الله وسلامه عليه ) ويؤمن للمؤمنين يصدق المؤمنين العدول الأتقياء إذا جاؤوه بمقالة، أما الكفرة الكذبة أمثالكم فلا يصدقهم.
وجرت العادة باستقراء القرآن أن الله تبارك وتعالى إذا كان الإيمان بالله عداه بالباء، كأن يقول : ءامنوا بالله [ الحجرات : آية ١٥، النساء : آية ١٣٦ ] يؤمنون بالله [ آل عمران : آية ١١٤ ] وإذا كان الإيمان معناه تصديق مخلوق فإنه يعديه باللام دائما ؛ ولذا قال هنا : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين معناه : ويصدق المؤمنين. ولا يكاد هذا التصديق المتعلق الآدميين يوجد في القرآن إلا مجرورا باللام، كقوله : فئامن له لوط [ العنكبوت : آية ٢٦ ] [ وما أنت بمؤمن لنا ] [ يوسف : آية ١٧ ] وقوله هنا : ويؤمن للمؤمنين أي : ويصدق المؤمنين الأتقياء في الخير الذي جاءه به، ولكن ليس بأذن للكفرة الفجرة أمثالكم. فقوله : ورحمة للذين ءامنوا منكم على قراءة الجمهور هو أذن خير، وهو أيضا رحمة للمؤمنين، وقد أرسله الله رحمة للعالمين.
وفي هذه الآية سؤال معروف ؛ لأن طالب العلم يقول : الله قال في آية براءة هذه : ورحمة للذين ءامنوا فقيد كونه رحمة للذين آمنوا، وفي سورة الأنبياء قال : وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين ( ١٠٧ ) [ الأنبياء : آية ١٠٧ ] فلم يقيد كونه رحمة بالإيمان، بل قال لجميع العالمين، وهذا وجه السؤال.
والجواب عنه : أن الله ( جل وعلا ) أرسله ( صلوات الله وسلامه عليه ) رحمة لجميع الخلائق، إلا أن بعضهم قبل من الله التفضل بتلك الرحمة فحازها، فخص في قوله : ورحمة للمؤمنين وبعضهم لم يقبلها ولم يحزها، ولا ينافي ذلك أن الله أعطاه تلك الرحمة إلا أنه لم يقبلها ولم يحزها. وضرب العلماء لهذا مثلا قالوا : لو أن سلطان البلد مثلا – ولله المثل الأعلى – أرسل لجميع سكان البلد إنعاما كثيرا كأن أجرى لهم المياه تأتيهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنعم، وبعضهم امتنع أن يأخذ، وبعضهم أخذ فلا ينافي أنه أنعم على الجميع. فالله أرسله رحمة للعالمين، بعض الناس قبل من الله فضله وبعضهم لم يقبل فضله، ولا ينافي ذلك أنه تفضل عليه ببعثه ( صلوات الله وسلامه عليه ).
وأما على قراءة حمزة الذي قرأ : ورحمة بالخفض – هو حمزة لا الكسائي ٦ – أما على قراءة حمزة ورحمة للذين آمنوا هو أذن خير ورحمة. معطوف على الخير ؛ لأن الله ( جل وعلا ) جعل فيه الخير والرحمة فإذا كان سامعا من أحد فهو سماع لا يقود إلا إلى خير من خير ورحمة لا سماع شر. ولا يخفى ما في قراءة حمزة من عدم ظهور المعنى، وظهور المعنى على قراءة الجمهور. وهذا معنى قوله : قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم .
والذين يؤذون رسول الله بالاستطالة في عرضه بكلام السوء لهم عذاب أليم من الله ( جل وعل )، وقد بين في الأحزاب أن ذلك العذاب مصحوب باللعنة أيضا في قوله : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله إلى آخر الآية :[ الأحزاب : آية ٥٧ ]. وهذا معنى قوله : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم .

١ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام، وانظر: الإتحاف (٢/ ٩٤)..
٢ انظر: السبعة ص ٣١٥، المبسوط لابن مهران ص ٢٢٧..
٣ قراءة الخفض إنما هي لحمزة وليست لكسائي. انظر: السبعة ص ٣١٥، المبسوط لابن مهران ص ٢٢٧، وقد استدرك الشيخ ذلك فنبه على الصواب كما سيأتي قريبا..
٤ الصواب: حمزة كما سبق..
٥ انظر حجة القراءات ص ٣٢٠، الدر المصون (٦/ ٧٤)..
٦ سبق التنبيه على ذلك قريبا..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير