ثم استبعد الحق أن يكون للمشركين عهد مع المسلمين، فقال :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قلت :( إلا الذين ) : محله النصب على الاستثناء، أو جر على البدل من المشركين، أو رفع على الانقطاع، أي : لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم، و( الإل ) : القرابة والحِلف.
يقول الحق جل جلاله : في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به : كيف يكونُ للمشركين عهدٌ عند الله وعندَ رسوله ؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول وللمسلمين، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه، إلا الذين عاهدتُّم عند المسجد الحرام قيل : هم المستثنون قبلُ. وقال ابن إسحاق : هي قبائل بني بكر، كانوا دخلوا وقت الحديبية، في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأُمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقال ابن عباس : هم قريش، وقال مجاهد : خزاعة، وفي هذين القولين نظر ؛ لأن قريشاً وخزاعة كانوا أسلموا وقت الأذان ؛ لأنهم أسلموا في الفتح، والأذان بعده بسنة.
قال تعالى في شأن من استثنى : فما استقاموا لكم على العهد ولم يغدروا، فاستقيمُوا لهم على الوفاء، أي : تربصوا بهم وانتظروا أمرهم، فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إِن الله يحب المتقين الذين إذا عاهدوا وفوا، وإذا قالوا صدقوا.
مَا الفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلْمِ، إِنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أدلاَّءُ وَقَدْرُ كل امرئ مَا كَانَ يُحسنهُ والجَاهِلُون لأَهْلِ العلْمٍ أَعْدَاءُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي