كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ )
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
فقال :
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله هذا الاستفهام للإنكار المشرب لمعنى التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين رسخ خلق الوفاء في قلوبهم، وكان بعضهم عرضة لقبول كلام المنافقين في إنكار النبذ، والمعنى : بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين عهد من العهود عند الله يقره لهم في كتابه وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يفي لهم له وتفون به اتباعا له وحالهم الذي بينته الآية التالية تأبى ثبوت ذلك لهم ؟
إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام استثنى تعالى هؤلاء قبل أن يبين وجه انتفاء ثبوت العهد لغيرهم بأية صفة تثبت بها العهود بين الناس، وهم الذين استثناهم في الآية الرابعة، وقد تقدم ذكر الخلاف فيهم في تفسيرها، وزاد هنا عند المسجد الحرام أي بجواره في الحديبية، وهو مما يقتضي تأكيد الوفاء بذلك بشروطه المبينة هناك وهنا.
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات المختلفة في تفسير هذه الآية، ومنها قول ابن إسحاق كيف يكون للمشركين الذين كانوا وأنتم على العهد العام، بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم ولا في الشهر الحرام.
عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام وهي قبائل بني بكر الذين كانوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الديل من بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته.
ثم قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال : هم بعض بني بكر من كنانة ممن كان أقام على عهده، ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش. وإنما قلت : إن هذا القول أولى الأقوال بالصواب ؛ لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها علي في سنة تسع من الهجرة وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا من خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده ؛ لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات اه وهو رد للرواية التي تقدمت عن ابن عباس.
فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم، أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، إذ لا يجوز أن يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم.
إن الله يحب المتقين الذين يجتنبون قطع ما أمر الله به أن يوصل وغير ذلك من محارمه ومن أعظمها الغدر ونقض العهود كما تقدم في تفسير الآية الرابعة، فالظاهر الذي جرى عليه المفسرون أن هؤلاء المعاهدين المذكورين هم المذكورون هنالك، وإنما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته، وهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنهم لم ينقصوا من شروط العهد شيئا، ولم يظاهروا على المسلمين أحدا، وتمهيد لبيان استباحة نبذ عهود الذين لا يستقيمون للمعاهد لهم إلا عند العجز عن الغدر، حتى إذا ما قدروا عليه نقضوا عهدهم أو نقصوا منه كما فعلت قريش في نقض عهد الحديبية بمظاهرتهم لحلفائهم من بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى : إلا الذين عاهدتم إلى آخر الآية اعتراض بين قوله تعالى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله وقوله المفسر له : كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ( ٨ )
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين( ٧ ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون( ٨ )
برىء الله ورسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وأمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا آمنين، وأمر تعالى بالأذان العام إلى الناس في يوم عيد النحر من الموسم العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، ودعوتهم إلى التوبة من الشرك وعداوة الإسلام، وإنذارهم سوء عاقبة الإعراض، واستثنى من المعاهدين الذين نبذت إليهم عهودهم من وفوا بعهدهم ولم ينقصوا منه شيئا ولم يظاهروا على المؤمنين أحدا من أعدائهم، فأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، ثم أمر بما يترتب على النبذ والتوقيت فيه وعود حالة الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها العهود وهو مناجزة المشركين بكل نوع من أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق المواصلات، واستثنى منهم من يستجير الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بإجارته حتى يسمع كلام الله.
ومن المعلوم من قواعد الإسلام العملية تعظيم شأن العهود على اختلاف أنواعها، وعد الوفاء بها من أصول البر ومقتضى الإيمان، كما قال تعالى في آية البر وأهله من سورة البقرة بعد ذكر الإيمان والصلاة والزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : ١٧٧ ]، وكما قال في الوصايا الأساسية لهذا الدين من سورة الإسراء وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا [ الإسراء : ٣٤ ] إلى آيات أخرى ذكرنا قارئ تفسيرنا بها في مواضع منه بمناسبة ذكر العهد، والمناسب منها لما هنا ما ورد في سورة الأنفال من وجوب الوفاء بالعهد وتحريم الخيانة كالآية ٥٦ و٥٨، وفي معناها أحاديث كثيرة حسبك منها حديث ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا.
ولما كان للوفاء بالعهد كل هذا الشأن في الإسلام كان نبذ عهود المشركين مما قد يظن بادي الرأي أنه مخل به، أو مما قد يظن قليل العلم بالقرآن والجمع بين نصوصه بالفهم الصحيح أن هذا النبذ ناسخ لوجوبه كما زعم بعضهم، أو أن ذلك التعظيم للوفاء بالعهد وتأكيده كان مقيدا بحال ضعف المسلمين كما قال آخرون مثل هذا في آيات العفو والصفح عن المشركين ؛ بل لما كان هذا النبذ مما يفتح باب الدس أو الطعن للمنافقين والتأويل للمرجفين في عصر التنزيل -وقد يعظم على بعض المسلمين ويخفى عليهم الجمع بينه وبين تلك الآيات الكثيرة التي هي نصوص في أن الوفاء بالعهد من فضائل الدين الأساسية ـ لما كان كل ما ذكر كما ذكر، بين الله تعالى لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما كون هذا النبذ وما يترتب عليه لا ينافي ولا يجافي شيئا من تلك النصوص المحكمة، وإنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين أو بدونه.
تفسير المنار
رشيد رضا