قوله تعالى : وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب الآية.
لمَّا شرح أحوال المنافقين الذين كانُوا في المدينة، شرح في هذه الآية أحوال المنافقين من الأعراب.
قرأ الجمهور " المُعذِّرُونَ " بفتح العين وتشديد الذَّال، وهي تحتمل وجهين :
أن يكون وزنه " فعَّل " مضعّفاً، ومعنى التَّضعيف فيه التكليف، والمعنى : أنه توهَّم أنَّ لهُ عُذراً، ولا عذر لهُ.
والثاني : أن يكون وزنه " افْتَعَل "، والأصلُ :" اعتذرَ "، فأدغمت التاءُ في الذال بأن قلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى السَّاكن قبلها، وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جُبير " المُعْتَذِرُونَ " على الأصل، وإليه ذهب الأخفشُ، والفرَّاءُ وأبو عبيد، وأبو حاتم، والزَّجَّاجُ، وابن الأنباري، والاعتذار قد يكُون بالكذبِ، كما في قوله يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ [ التوبة : ٩٤ ]، وكان ذلك الاعتذار فاسداً، لقوله :" لا تَعْتَذِرُوا "، وقد يكون بالصِّدقِ، كقول لبيد :[ الطويل ]
. . . *** ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقدِ اعتذرْ١
يريد : فقد جاء بعُذْرٍ.
وقرأ زيد بن عليّ٢، والضحاكُ، والأعرجُ، وأبو صالح، وعيسى بن هلال، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أيضاً، ويعقوب، والكسائي " المُعْذرُونَ " بسكون العين وكسر الذَّال مخففة من أعْذَر، يُعْذِر ك " أكْرَم، يُكْرِم "، وهم المبالغون في العُذْرِ.
وقرأ مسلمةُ٣ " المُعَّذِّرُون " بتشديد العين والذال، من " تعذَّرَ " بمعنى اعْتذرَ.
قال أبُو حاتمٍ : أراد " المتعذَّرون " والتاء لا تدغم في العين، لبُعد المخارجِ وهي غلطٌ منه، أو عليه.
قوله :" ليُؤذنَ " متعلقٌ ب " جَاءَ " وحذفَ الفاعلُ، وأقيمَ الجارُّ مقامه، للعلم به، أي : ليأذن لهم الرسول.
فصل
أمَّا قراءةُ التخفيف فهم الكاذبون في العذر، وأمَّا قراءة التشديد، فمحتملة لأن يكونُوا صادقين، وأن يكُونُوا كاذبينَ. قال ابنُ عبَّاسٍ " هم الَّذِين تخلَّفُوا بعذرٍ بإذن رسُول الله صلى الله عليه وسلم " ٤ وهو قول بعض المفسرين أيضاً، قال : المعذرون، كانوا صادقين ؛ لأنَّه تعالى لمَّا ذكرهم قال بعدهم وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ، فلمَّا ميَّزهم عن الكاذبين دلَّ على أنَّهم لَيْسُوا كاذبينَ. وقال الضَّحَّاكُ : هُم رهطُ عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن أنفسهم، فقالُوا : يا نبيَّ الله : إنْ نحنُ غزونَا معك أغارت أعرابُ طيىءٍ على حلائلنا، وأولادنا، ومواشينا، فقال لهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم قد نَبَّأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم٥.
وروى الواحديُّ عن أبي عمرو : أنَّهُ لمَّا قيل له هذا الكلام قال : إنَّ أقواماً تكلَّفُوا عُذْراً بباطل فهمُ الذين عناهم بقوله :" وَجَآءَ المعذرون "، وتخلَّف آخرون لا بعُذر ولا بشبهةِ عذرٍ جراءة على الله تعالى ؛ فهم المرادون بقوله وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ، فأوعدهُم بقوله : سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ في الدُّنيا بالقتلِ، وفي الآخرة بالنَّارِ.
وإنَّما قال " مِنْهُم " ؛ لأنَّه تعالى كان عالماً بأنَّ بعضهم سيؤمن، فذكر بلفظة " مِنْ " الدَّالة على التَّبعيض.
وقرأ الجمهور " كَذبُوا " بالتَّخفيف، أي : كذبُوا في أيمانهم. وقرأ الحسنُ٦ في المشهور عنه وأبيٌّ، وإسماعيل " كذَّبُوا " بالتَّشديد، أي : لَمْ يُصدِّقُوا ما جاء به الرَّسولُ عن ربِّه ولا امتثلوا أمره.
٢ ينظر: حجة القراءات ص (٣٢١)، إتحاف ٢/٩٦، الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٦٩، البحر المحيط ٥/٨٦، الدر المصون ٣/٤٩٠..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣١٨)..
٥ انظر المصدر السابق. وقرأ بها كذلك نوح..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٠٠، المحرر الوجيز ٣/٧٠، البحر المحيط ٥/٨٧، الدر المصون ٣/٤٩١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود