قال الله تعالى : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : ٩٠ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٧٠ ] هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المنافقين ؟
يرى ابن حزم رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم المنافقين ويستدل بقوله تعالى : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : ٩٠ ]. ويقول :
( وهذه الآية تبين ما قلناه نصا، لأنه تعالى أخبر أن بعضهم كفار، إلا أن كلهم عصاة، فأما المبطنون للكفر منهم فلم يعلمهم النبي – عليه السلام – ولا علمهم أحد منهم إلا الله تعالى فقط.
وقال تعالى : إنما السبيل على الذين يستأذنونك [ التوبة : ٩٣ ] إلى قوله : عن القوم الفاسقين [ التوبة : ٩٦ ].
قال أبو محمد رحمه الله : وهي كالتي قبلها، وقد قلنا : إن فيهم من كفر، فأولئك الذين طبع الله على قلوبهم، ولكن الله تعالى أرجأ أمرهم بقوله تعالى : وسيرى الله عملكم ورسوله [ التوبة : ٩٤ ] فصح ما قلناه واتفقت الآيات كلها، والحمد لله رب العالمين.
وكذلك أخبر تعالى أن مأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون [ التوبة : ٩٥ ] وجهنم تكون جزاء على الكفر وتكون جزاء على المعصية، وكذلك لا يرضى تعالى عن القوم الفاسقين، وإن لم يكونوا كافرين.
وقال تعالى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا [ التوبة : ٩٧ ] إلى قوله تعالى : إن الله غفور رحيم [ التوبة : ٩٩ ].
قال أبو محمد : وهذه الآيات كلها تبين نص ما قلناه من أن فيهم كفارا في الباطن. قال أبو محمد رحمه الله : لا يعلم سرهم إلا الله تعالى، وأما رسوله – عليه السلام – فلا.
وقال تعالى : وممن حولكم من الأعراب منافقون إلى قوله سميع عليم التوبة [ ١٠١-١٠٣ ].
قال أبو محمد : هذه الآية مبينة نص ما قلناه بيانا لا يحل لأحد أن يخالفه من أن النبي – عليه السلام – لا يعلم المنافقين لا من الأعراب، ولا من أهل المدينة ولكن الله تعالى يعلمهم، وأن منهم من يتوب، فيعفو الله تعالى عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأخذ زكوات جميعهم على ظاهر الإسلام١.
ومن أدلته ما ذكره رحمه الله عند الجواب على ما استدل به من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم علم المنافقين بقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون [ التوبة : ٨٤ ].
وبعد أن ساق الروايات التي جاءت في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول٢، قال :
( قال أبو محمد رحمه الله : فهذا كله يوجب صحة ما قلناه لوجوه :
أحدها : ظاهر الآية كما قلنا من أنهم كفروا قبل، وماتوا على الفسق.
والثاني : أن الله تعالى قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار جملة للمشركين بقوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين إلى قوله تعالى : أصحاب الجحيم [ التوبة : ١١٣ ].
فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم كفار بلا شك، لما استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا صلى عليه. ولا يحل لمسلم أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه خالف ربه في ذلك ؛ فصح يقينا أنه – عليه السلام – لم يعلم قط أن عبد الله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن.
روينا من طريق مسلم : نا حرملة بن يحيى التجيبي، نا عبد الله بن وهب، نا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب بن حور، عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عم قل : لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله ". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان عليه تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به : على ملة عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ؛ فأنزل الله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا الآية٣.
قال أبو محمد : فصح أن النهي عن الاستغفار للمشركين نزل بمكة بلا شك ؛ فصح يقينا أنه – عليه السلام – لم يوقن أن عبد الله بن أبي مشرك، ولو أيقن أنه مشرك لما صلى عليه أصلا، ولا استغفر له، وكذلك تعديد عمر بن الخطاب مقالات عبد الله بن أبي ابن سلول، ولو كان عنده كافرا، لصرح بذلك، وقصد إليه، ولم يطول بغيره.
والثالث : شك ابن عباس وجابر وتعجب عمر من معارضة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على عبد الله بن أبي، وإقراره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف منه.
والرابع : أن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم فقط، ولم ينه سائر المسلمين عن ذلك، وهذا لا ننكره، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من عليه دين لا يترك له وفاء، ويأمر المسلمين بالصلاة عليهم.
فصح يقينا بهذا أن معنى الآيات إنما هو أنهم كفروا بذلك من قولهم، وعلم بذلك النبي عليه السلام والمسلمون، ثم تابوا في ظاهر الأمر، فمنهم من علم الله تعالى أن باطنه كظاهره في التوبة، ومنهم من علم الله تعالى أن باطنه خلاف ظاهره، ولم يعلم ذلك النبي عليه السلام ولا أحد من المسلمين، وهذا في غاية البيان. وبالله تعالى التوفيق٤.
٢ أخرج هذه القصة: البخاري في صحيحه (٤٦٧١) في كتب التفسير: باب استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة، ومسلم (٢٧٧٤) في أول كتاب صفة المنافقين..
٣ رجال الإسناد:
حرملة بن يحيى بن حرملة بن عمران، أبو حفص التجيبي، المصري، صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين، وكان مولده سنة ستين. (التقريب) [١١٨٥].
تخريجه: أخرجه البخاري (١٣٦٠) في كتاب الجنائز: باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، ومسلم (٢٤) في كتاب الإيمان: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت..
٤ (المحلى) (١٢/١٤٠-١٤١)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري