ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

وقوله تعالى :( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) قال بعضهم من أهل التأويل :( المعذرون ) هم الذي يستأذنون القعود، ولا عذر لهم في ذلك. وقال الكلبي :( المعذرون ) هم الذين لهم عذر، وبهم علة. وبعضهم قال :( المعذرون ) هم المعتذرون.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأ : المعذرون[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣٥ ] بالتخفيف، وقال : لعن الله المعذِّرين ؛ كأنه ذهب إلى أن المُعْذِرَ هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد الذي لا عذر له، لذلك لعن المعذر.
قال أبو معاذ : وأكثر كلام العرب المُعْذِرُ هو الذي له عذر وهو قولهم : قد أعذر من أنذر.
وقال عوسجة : المعذِّر بالتشديد الذي لا يُناصَحُ، إنما يريد أن يعذر، ويقال : عذرت في الأمر إذا لم أبالغ[ في الأصل وم : يبالغ ] فيه، وأعذرت في الأمر أي بالغت فيه.
وقال القتبي :( المعذرون ) بالتشديد هم الذين لا يجدون، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه، يقال : عذرت في الأمر إذا قصرت، وأعذرت : جددت.
ثم قال بعض أهل التأويل : دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين ؛ صنف كانوا يستأذنون القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله :( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) دل قوله :( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) على أن من أهل النفاق من قد آمن، وتاب، وأن من تاب يقبل منه لأنه قال :( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ولم يقل سيصيبهم عذاب أليم.
وقال بعضهم : المعذرون بالتخفيف : هم المؤمنون الذين لهم العذر والتخلف ؛ أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق : إن كان الخروج لهم أوفق يخرجوا[ في الأصل وم : يخرجون ]، وإن كان القعود أوفق يقعدوا[ في الأصل وم : يقعدون ]. يدل على ذلك الآية التي تلي هذه، وهو قوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ )الآية[ التوبة : ٩١ ].
فإن قيل : كيف احتمل أن يكون آية واحدة في الفريقين مختلفين : إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهو عذر، وإذا قرئ بالتشديد كانت في الذين لا عذر لهم ؟ قيل : تصير على اختلاف القراءة كاثنتين[ في م : كاثنين ] في حالتين ووقتين مختلفين.
وإن كان تأويل المُعَذِّرُ بالتشديد فهو[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] الذي يعتذر، ولا عذر له، والمُعذِر بالتخفيف هو الذي له [ عذر، وإن ][ في الأصل وم : عذرا و ] كان تأويل إحدى القراءتين على ضد[ في الأصل وم : ضدي ] الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى. وإلا لا يحتمل أن يكون القراءتان جميعا في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله :( ربنا باعد بين أسفارنا )[ سبأ : ١٩ ] وقوله[ في الأصل وم : و ] ربُّنا بالرفع[ انظر معجم القراءات القرآنية٥/١٥٥ ] باعد ( بين أسفارنا ) : أحدهما على الدعاء، والآخر على الإيجاب، هما آيتان، صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية