قوله تعالى : وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر الآية.
لمَّا بيَّن أنَّ في الأعرابِ من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مَغْرَماً، بيَّن هنا أنَّ منهم أيضاً من يؤمن بالله واليوم الآخر. قال مجاهدٌ : هم بنو مقرن من مزينة١. وقال الكلبيُّ هم أسلم، وغفار، وجهينة٢. وروى أبو هريرة قال : قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" لأسْلمُ وغفارٌ، وشيءٌ مِنْ مُزَيْنَة وجُهَيْنةَ، خَيْرٌ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنْ أسَدٍ وغطفان وهوَازنَ وتَميمٍ " ٣.
قوله : وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ ف " قُرُباتٍ " مفعولٌ ثانٍ ل " يتَّخذَ " كما مرَّ في مَغْرَماً [ التوبة : ٩٨ ] ولم يختلف قُرَّاء السبعة في ضمِّ الرَّاء من " قُربَات "، مع اختلافهم في راء " قُرْبة " كما سيأتي، فيحتملُ أن تكون هذه جمعاً ل " قُرْبة " بالضَّم، كما هي قراءة ورشٍ عن نافعٍ، ويحتملُ أن تكون جمعاً لساكنها، وإنَّما ضُمَّت إتباعاً، ك " غُرُفَات "، وقد تقدَّم التَّنبيه على هذه القاعدة، وشروطها عند قوله : فِي ظُلُمَاتٍ [ البقرة : ١٧ ] أول البقرة.
قال الزجاجُ : يجوزُ في " القُرُبَات " أوجه ثلاثة، ضم الراء، وإسكانها، وفتحها.
والمعنى : أنَّهم يتخذون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند اللهِ.
قوله :" عِندَ الله " في هذا الظرف ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنَّه متعلقٌ ب " يتَّخذ " والثاني : أنَّهُ ظرف ل " قُرُبات "، قاله أبو البقاءِ. وليس بذلك.
الثالث : أنه متعلقٌ بمحذُوفٍ، لأنَّه صفةٌ ل " قربات ". قوله : وَصَلَوَاتِ الرسول فيها وجهان :
أظهرهما : أنَّها نسق على " قُربات "، وهو ظاهرُ كلام الزمخشري، فإنَّه قال :" والمعنى أنَّ ما ينفقه سببٌ لحصول القربات عند اللهِ وصلوات الرسول، لأنَّهُ كان يدعو للمتصدِّقين بالخيرِ، كقوله :" اللَّهُمَّ صلِّ على ألِ أبِي أوْفَى " والثاني - وجوَّزهُ ابنُ عطية ولم يذكر أبُو البقاءِ غيره - : أنها منسوقةٌ على " ما يُنفقُ "، أي : ويتَّخذ بالأعمال الصَّالحة صلوات الرسول قربة.
قوله : ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ الضمير في " إنَّها " قيل : عائدٌ على " صَلواتِ ".
وقيل : على النَّفقات أي : المفهومة من " يُنفِقُون ". وقرأ٤ ورشٌ " قُرُبَة " بضمِّ القاف والرَّاء، والباقون بسكونها، فقيل : لغتان. وقيل : الأصلُ السكون، والضَّم إتباع. وقد تقدَّم الخلاف بين أهل التصريف، هل يجوزُ تثقيل " فُعْل " إلى " فُعُل " ؟ وأنَّ بعضهم جعل " يُسُرا، عُسُرا " بضمِّ السين فرعين على سكونها، وقيل : الأصلُ " قُرُبة " بالضَّمِّ، والسكون تخفيف، نحو : كتب ورسل، وهذا أجْرَى على لغة العرب، إذ مبناها الهرب من الثِّقل إلى الخفة. وفي استئناف هذه الجملة وتصدُّرها بحرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثباتِ الأمر وتمكُّنه شهادةٌ من الله بصحة ما اعتقده من إنفاقه. قال معناه الزمخشريُّ، قال : وكذلك سيدخلهم وما في السِّين من تحقيقِ الوعدِ. ثم قال : إِنَّ الله غَفُورٌ لسيِّآتهم " رَّحِيمٌ " بهم حيث وفقهم لهذه الطَّاعات.
٢ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٢١)..
٣ أخرجه مسلم (٤/١٩٥٥) كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل غفار وأسلم وجهينة-حديث (١٩١/٢٥٢١) من حديث أبي هريرة..
٤ ينظر: السبعة ص (٣١٧)، الحجة ٤/٢٠٩-٢١٢، حجة القراءات ص (٣٢٢)، إعراب القراءات ١/٢٥٤-٢٥٥، إتحاف ٢/٩٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود