ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

وبعد ذلك جاء الحق سبحانه للصنف الثاني، وهم من لهم قليل من الإلف، فإن كان من البادية فله أهل من الحضر، أو كان من الحضر فله أهل من البادية، فيقول سبحانه :
ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم( ٩٩ ) .
ومن هؤلاء من يؤمن بالله، ويؤمن باليوم الآخر، وما ينفقه من زكاة أو صدقة فهو يتخذه قربى إلى الله الذي آمن به، وكنزا له في اليوم الآخر، و " قربى " أي : شيء يقرب إلى الله ؛ يدخره له في اليوم الآخر، وقوله الحق : وصلوات الرسول أي : يجعل ما ينفق قربة إلى الله وكذلك طلبا لدعاء الرسول ؛ لأن الصلاة في الأصل هي الدعاء، فساعة يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة للمسلمين الضعاف ممن يعتبرها قربة، فهو صلى الله عليه وسلم يدعو له.
وقد قال صلى الله عليه وسلم :( اللهم اغفر لآل أبي أوفى، وبارك لهم )
وقد دعا بذلك حين جاء له ما تزكى وتصدق به بنو أبي أو في، ودعوة الرسول مجابة إلا ما قال الله إنه سبحانه لا يجيبه١ لحكمة.
ولقائل أن يقول : ألا يعلم من يقدم الزكاة والصدقة قربى، أنه سبحانه غير مستفيد من هذا العمل ؟ ألا يعلم أنها قربى له شخصيّا ؟ نعلم إنه يعلم، ويعلم أن الله يثيبه على أمر ينتفع به الفقراء، وفي هذه إشارة إلى أن كل تكليف من الله إنما يعود نفعه إلى المكلّف لا إلى المكلّف. وما دام العائد إلى المكلّف ؛ فالله يدعوك لصالح ذاته وإلى خير لك.
ومن اعتبرها قربى إلى الله لهم القول الحق : ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته وقد قال ذلك للأعراب الذين أنفقوا قربى لله، وطمعا في دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم، فأوضح لهم سبحانه أنها قربى لهم ؛ لأنهم المنتفعون بها، وأنه سيدخلهم في رحمته. ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يحدّ، أما الجنة فباقية وخالدة بإبقاء الله لها. إذن : فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته.
فحين يقال " دخل في الرحمة " فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية. وحينما يسمع أي أعرابي قول الحق : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ؛ فعندما سمع الأعرابي هذه الآية جلس يحدث نفسه بالعطاءات الإلهية. فيكبح جماح خطرات السوء في نفسه : وبالزلات وبالهفوات التي قد ينطق بها، وقد يقول الأعرابي لنفسه : إني أخاف ألا يغفر الله الخطرات أو السيئات والهفوات، فتأتي الآية مطمئنة له ما دام قد فعل السيئة بغفلة أو بسهو، وعليه أن يعلم أن الله غفور رحيم، ولا داعي أن يعكر على نفسه بالظن بأنه لن يدخل في رحمة الله٢.
لذلك جاء سبحانه بالقول : إن الله غفور رحيم لعل واحدا ممن يسمع هذا، يظن أن الجزاء والقربى والدخول في رحمة الله خاص بمن لم يذنب أبدا، فيوضح له القول : اطمئن. إن كانت قد حصلت منك هفوة أو غفلة، فاعلم أن الله غفور رحيم، فلا يعكر ذنبك إيمانك بأنك سوف تدخل في رحمة الله.

١ وذلك من نحو قوله تعالى:استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن استغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (التوبة: ٨٠).
٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". أخرجه البخاري في صحيحه (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير