الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٩٧ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٩٨ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٩٧-٩٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
تفسير المفردات :
والقربات : واحدها قربة، وهي في المنزلة والمكان كالقرب في المكان والقرابة في الرحم. والصلوات : واحدها صلاة، ويراد بها الدعاء.
الإيضاح :
ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر أي ومن الأعراب من يؤمن بالله ويثبت له القدرة وكمال التصرف في الكون، واليوم الآخر الذي تجازي فيه كل نفس بما كسبت، قال مجاهد : هم بنو مُقَرِّن من مُزَينة، وهم الذين قال الله فيهم : ولا على الذين إذا ما آتوك لتحملهم ( التوبة : ٩٢ ).
يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول أي ويتخذ ما ينفقه وسيلة لأمرين :
القربات والزلفى عند الله تعالى جدّه.
صلوات الرسول أي أدعيته، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولم يجيء في نصوص الدين انتفاع أحد بعمل غيره إلا الدعاء وما يكون المرء سببا فيه كالولد الصالح والسنة الحسنة يُتّبَع فيها.
وسميت الصلوات الشرعية بهذا الاسم من قِبَل أن الدعاء- وهو المعنى اللغوي لها- هو روحها ومخها وسرها الذي به تتحقق العبودية على أتمّ وجوهها.
وقد بين الله جزاءهم على ما انطوت عليه نفوسهم من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله فأخبر بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها فقال :
لا إنها قربة لهم أي ألا إن تلك النفقة التي اتخذت قد تقبلها الله وأثاب عليها بما وعد به في قوله :
سيدخلهم الله في رحمة أي سيحرمهم الله برحمته الخاصة بمن رضي عنهم، وهي هدايتهم إلى الصراط المستقيم الذين يوصلهم إلى جنات النعيم، والمراد بإدخالهم في الرحمة أن تكون محيطة بهم شاملة لهم وهم مغمورون فيها، وهذا أبلغ في إثباتها لهم من مثل قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ( التوبة : ٢١ ).
إن الله غفور رحيم أي إنه واسع المغفرة والرحمة لمن يخلصون في أعمالهم، فهو يغفر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى خير العمل وحسن المصير.
تفسير المراغي
المراغي