هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى المدينة. فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد، بدئ بذكر الأعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده.
ولما ذكر حال هؤلاء الأعراب المنافقين عطف عليه بيان حال المؤمنين الصادقين منهم١ فقال : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الأخر إيمانا صادقا إذعانيا تصدر عنه آثاره من العمل الصالح. قال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال الله فيهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم [ التوبة : ٩٢ ] الآية. وقال الكلبي : هم أسلم وغفار وجهينة ومزينة، وثم روايات أخرى فيهم، والنص يشمل جميع المؤمنين الصادقين منهم ومن غيرهم من الأعراب. وقد ذكر من وصفهم ضد ما ذكره في وصف من قبلهم في أمر النفقة في سبيل الله فقال : ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول أي يتخذ ما ينفقه وسيلة لأمرين عظيمين : أولها القربات والزلفى عند الله عز وجل، وثانيهما صلوات الرسول، أي أدعيته ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو المتصدقين ويستغفر لهم، ولم يثبت في النص انتفاع أحد بعمل غيره إلا الدعاء وما يكون المرء سببا فيه كالولد الصالح، والسنة الحسنة يتبع فيها. فهذا القصد في اتخاذ الصدقات ضد اتخاذ المنافقين إياها مغرما.
والقربات كالقرب جمع قربة ( بضم القاف ) وهي في المنزلة والمكانة كالقرب في المكان والقرابة، والقربى في الرحم، والأصل في الكل واحد وهو الدنو من الشيء مطلقا، فقصد القربة في العمل هو الإخلاص وابتغاء مرضاة الله ورحمته ومثوبته فيه. وجمعها باعتبار تعدد النفقات ففيه إيماء إلى إخلاصهم في كل فرد منها. والصلوات جمع صلاة، ومعناها أو أحد معانيها في أصل اللغة الدعاء، وإطلاقها على العبادة المخصوصة من أركان الإسلام شرعي وجهه أن الدعاء هو روحها الأعظم لأنه مخ العبادة، وسرها الذي تتحقق به العبودية على أكمل وجوهها، وهو في الفاتحة فريضة، وفي السجود فضيلة، ويأتي قريبا بيان هذه الصلوات على المتصدقين في تفسير الآية ( ١٠٣ ).
وقد بين الله تعالى جزاء هؤلاء الأعراب على ما شهد لهم به من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله، وأدائهم به حق الله، وهو قصد القربة عنده، وحق الرسول وهو طلب دعائه لهم بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها، فقال بأسلوب الاستئناف المشعر بالاهتمام : ألا إنها قربة لهم وهو إخبار بقبوله تعالى لنفقتهم مؤكد بافتتاحه بأداة التنبيه الدالة على الاهتمام بما بعدها وهي ( ألا ) وب [ إن ] الدالة على تحقيق مضمون الجملة وبالجملة الاسمية فقوله تعالى :[ إنها قربة ] راجع إلى النفقة المأخوذة من قوله :[ ما ينفق ] فإفراد القربة لأنها خبر الضمير المفرد.
وقوله : سيدخلهم الله في رحمته تفسير لهذه القربة والمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة بمن رضي الله عنهم، وهي هداية الصراط المستقيم وما تنهي إليه من دار النعيم، ومعنى إدخالهم فيها أن يكونوا مغمورين فيها وتكون هي محيطة بهم شاملة لهم، وهذا أبلغ من مثل يبشرهم ربهم برحمة منه [ التوبة : ٢١ ]، والسين في قوله [ سيدخلهم ) لتأكيد الوعد وتحقيقه وتقدم مثله. وعلله بقوله : إن الله غفور رحيم أي واسع المغفرة والرحمة يغفر للمخلصين في أعمالهم ما يلمون به من ذنب أو تقصير، ويرحم الصادقين في إيمانهم فيهديهم به إلى أحسن العمل وخير المصير، وفي الآية من بلاغة الإيجاز ما يدل على علو مقام هؤلاء الأعراب.
تفسير المنار
رشيد رضا