ﮂﮃﮄﮅ

قوله : وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد . فيه وجهان :
أحدهما : أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى : أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني : ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى : أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة »، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى : وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ » بمعنى : حلال، قال معناه الزّمخشري١. ثم قال : فإن قلت : أين نظير قوله تعالى : وَأَنتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال ؟.
قلت : قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ [ الزمر : ٣٠ ]، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء : أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع ؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال ؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح ؟.
الثاني من الوجهين الأولين : أن الجملة حالية، أي : لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي : لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل : المعنى : لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي : مستحل إذ ذاك.

فصل في المراد بهذا البلد


أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة »، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [ آل عمران : ٩٧ ]، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : ١٤٤ ]، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال : وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً [ آل عمران : ٩٧ ] وقال تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة : ١٢٥ ]، وقال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت [ الحج : ٢٦ ]، وقال تعالى : يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ [ الحج : ٢٧ ]، وشرف مقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى : واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : ١٢٥ ]، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة » لا جرم أقسم الله تعالى بها.

فصل في تفسير وأنت حلّ


روى منصورٌ عن مجاهدٍ :«وأنْتَ حِلٌّ »، قال : ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل٢.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ : أحل له يوم دخل «مكة »، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وقال السدي : أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله٤.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال : أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة »٥.
[ قال ابن زيد : ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صلى الله عليه وسلم٦ وقيل : معناه : وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي : من أهل «مكة » نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [ التوبة : ١٢٨ ].
وقيل : أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ ]٧.
وذكر أهل اللغة أنه يقال : رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة :«وأنت حل به » أي لست بآثم، قيل : معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد : وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ أي : حلال، أي هم يحرمون «مكة » أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عداوتهم له.
١ ينظر: الكشاف ٤/٧٥٤..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٥) وذكره السيوطي في "الدرالمنثور" (٦/٥٩٢) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٩١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٤١)..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٩٢) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٦) عن ابن زيد..
٧ سقط من: ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية