فأما اليتيم فلا تقهر ٩ هذه الجملة وما بعدها إلى آخر السورة معترضات أوردت استطرادا بين قوله ألم يجدك إلى آخره ألم نشرح لك أو هي تذييل بما سبق ذكر اليتيم والعائل الفقير السائل غالبا واتصال السائل للإرشاد غالبا، وذكر نعمة الإيواء والهداية والغناء فصّل ما أجمل ذكره بأما، وأورد بالفاء للسببية في فأما اليتيم فلا تقهر لأن كونه صلى الله عليه وسلم يتيما.
وأما بنعمة ربك فحدِّث ١١ يعني أشكر على ما أنعم ربك عليك وهذه الجملة على تقدير اللف والنشر المرتب متصل بقوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى عن سنان بن سنية عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر )١ رواه أحمد وابن ماجه والدارمي بإسناد صحيح، ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وعن أشعث بن قيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس ) وفي رواية ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) رواه أحمد ورواته ثقات، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من صنع إليه معروف فليجز به فإن لم يجد ما يجز فليثن عليه فإنه إذا أثنى عليه فقد شكر وإن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبين من زور ) رواه البغوي، وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر :( من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير من لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة الله والفرقة عذاب الله ) رواه البغوي هذه الأحاديث يقتضي شكر المشايخ والأساتذة وحسن الثناء عليهم ورضوان الله عليهم أجمعين، قال المجاهد المراد بالنعمة في الآية النبوة روى عنه بشير واختاره الزجاج والمعنى بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي أتاك، وقال الليث عن مجاهد يعني القرآن وهو قول الكلبي أمره أن يقرأه فعلى هذا هذه الآية متصلة بقوله ووجدك ضالا فهدى قال مقاتل : اشكر ما ذكر في هذه الآية مما أنعمنا عليك من الإيواء والهداية والأغنياء والتحدث بنعمة الله شكر وهذا أظهر فإن النعمة المذكورة مطلق لا وجه للتخصيص والشكر على كل نعمة دينية كانت أو دنيوية واجب فعلى هذا هذه الآية متصلة بالجمل الثلاث المذكورات وقد درك ما في هذه الآية من اختلاف القراءة في الإمالة والفتح في آخر سورة الليل.
مسألة : يجب الشكر على كل نعمة والشكر صرف النعمة في رضاء المنعم فشكر نعمة المال صرفها بالإخلاص في سبيل الحق وشكر نعمة البدن أداء الواجبات والاجتناب عن المعاصي وشكر نعمة العلم والعرفان التعليم والإرشاد.
مسألة : تحديث النعمة شكر ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم :( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )٢ ونحو ذلك وقد ذكرنا في سورة البقرة ومن هذا القبيل ما قال الشيخ محي الدين عبد القادر رضي الله عنه وكلولي له قدم وإني على قدم النبي بدر الكمال : وقوله قدمي هذه على رقبة كل ولي لله ومنه ما ذكر المجدد مما أعطاه الله سبحانه مدارج القرب من الولايات الثلاث وكمالات النبوة والرسالة وأولي العزم أيضا بالتبعية والوراثة وحقائق الأنبياء كذلك وغير ذلك وكونه مخلوقا في طينة النبي صلى الله عليه وسلم وكونه مجددا وقيوما فمن أنكر على ما هؤلاء الرجال في مثل هذه المقال فكأنه أنكر هذه الآية الكريمة من الله ذي الجلال غير أنه لا بد للتحديث بمثل هذه الأقوال تنزه القائل عن صفات النفس بالكلية فلا يجوز لكل أحد الإجتراء على مثل هذه الأقوال كيلا يتردى في ورطة أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ٣.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب (٣٦٢٤)..
٣ سورة الأعراف، الآية: ١٢..
التفسير المظهري
المظهري