ﮭﮮﮯﮰ

قوله : فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ »، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل ؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [ هود : ٨ ].
وقرأ العامة :«تَقْهَر » بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر » بالكاف. كهر في وجهه : أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي : عابس الوجه.
ومنه الحديث :«فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني ».
قال أبو حيان(١) :«وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور » انتهى.
والكهر في الأصل : ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل : الكهر : الغلبة، والكهر : الزجر. والمعنى : لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ : لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى : عامله كما عاملناك به، ونظيره : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ [ القصص : ٧٧ ].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله ».

فصل


دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى »(٢).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ »(٣).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :«مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ »(٤).

فصل


الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عليه الصلاة والسلام - :«إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ » وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله :«حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي ».
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
١ ينظر: الكشاف ٤/٧٦٨، والمحرر الوجيز ٥/٤٩٥، والبحر المحيط ٨/٤٨٢، والدر المصون ٦/٥٣٩..
٢ تقدم تخريجه..
٣ أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/١٠٩٧)..
٤ أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨/٢٣٩) وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (١/٢٠٨، ٢٩٦)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية