وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة هذه الجملة مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب. قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمداً. فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون. وخصّ أهل الكتاب، وإن كان غيرهم مثلهم في التفرّق بعد مجيء البينة، لأنهم كانوا أهل علم، فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، والاستثناء في قوله : إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة مفرّغ من أعم الأوقات : أي وما تفرّقوا في وقت من الأوقات إلاّ من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، وهي : بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشريعة الغرّاء والمحجة البيضاء. وقيل البينة : البيان الذي في كتبهم أنه نبيّ مرسل كقوله : وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم [ آل عمران : ١٩ ] قال القرطبي : قال العلماء : من أوّل السورة إلى قوله : كُتُبٌ قَيّمَةٌ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. وقوله : وَمَا تَفَرَّقَ الخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مُنفَكّينَ قال : برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية . وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله ؟ قال :«يا عائشة أما تقرئين : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية ». وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :«كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا أقبل قالوا : قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً «علي خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال :«لما نزلت هذه الآية إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ :«هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين». وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا أخبركم بخير البرية ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بشرّ البرية ؟ قالوا بلى، قال : الذي يسأل بالله ولا يعطي به» قال أحمد : حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره.