ﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً الظرف إما بدل من يومئذ الذي قبله، وإما منصوب بمقدّر هو اذكر، وإما منصوب بما بعده، والمعنى : يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتاً : أي متفرّقين، والصدر : الرجوع وهو ضدّ الورود. وقيل : يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار، وانتصاب أشتاتاً على الحال والمعنى : أن بعضهم آمن وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين، وبعضهم إلى جهة الشمال، مع تفرّقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال. لّيُرَوْاْ أعمالهم متعلق ب يصدر ، وقيل : فيه تقديم وتأخير : أي تحدّث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً . قرأ الجمهور : لِيُرَوْاْ مبنياً للمفعول. وهو من رؤية البصر : أي ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة ونصر بن عاصم وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل، ورويت هذه القراءة عن نافع، والمعنى : ليروا جزاء أعمالهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس : إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرض زِلْزَالَهَا قال : تحرّكت من أسفلها وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا قال : الموتى وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا قال : الكافر يقول ما لها. يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا قال : قال لها ربك قولي بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا قال : أوحى لها يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً قال : من كل من هاهنا وهاهنا. وأخرج ابن المنذر عنه وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا قال : الكنوز والموتى. وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول : في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا» وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال :«قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا وكذا، فهذا أخبارها» وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن الأرض لتجيء يوم القيامة بكل عَمَلٍ عُمِلَ على ظهرها» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا حتى بلغ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ». وأخرج الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شرّاً إلاّ وهي مخبرة». وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :«بينما أبو بكر الصدّيق يأكل مع النبيّ إذ نزلت عليه : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ . فرفع أبو بكر يده، وقال : يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرّة من شرّ. فقال : يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره، فبمثاقيل ذرّ الشرّ، ويدخر لك مثاقيل ذرّ الخير حتى توفاه يوم القيامة». وأخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أبي أسماء قال :«بينا أبو بكر يتغدّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ فأمسك أبو بكر وقال : يا رسول الله ما عملنا من شرّ رأيناه، فقال : ما ترون مما تكرهون، فذاك مما تجزون، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة». وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : أنزلت إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وأبو بكر الصديق قاعد فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا أبا بكر ؟ قال : يبكيني هذه السورة، فقال : لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق الله قوماً يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم. » وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«الخيل لثلاثة : لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» الحديث. وقال :«وسئل عن الحمر فقال :«ما أنزل عليّ فيها إلاّ هذه الآية الجامعة الفاذة فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية