قال محمد بن السائب الكلبي: كان رجالٌ مِن المؤمنين ورجالٌ مِن اليهود جلوسًا، فقالت اليهود: لقد استتابنا اللهُ مِن أمرٍ، فتُبْنا إليه منه، وما كان ليفعله أحدٌ غيرُنا، قتلنا أنفسَنا في طاعة الله حتى رَضِي عنّا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: إنّ الله يعلم لو أمرنا محمد أن نقتل أنفسنا لقتلت نفسي. فأنزل الله: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾
قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية: كانوا مع النبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكانوا يلقون من المشركين أذًى كثيرًا، فقالوا: يا نبي الله، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؛ فإنّهم قد آذونا! فقال لهم رسول الله ﷺ: «كفوا أيديكم عنهم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم». فلما هاجر رسول الله عليه السلام، وسار إلى بدر؛ عرفوا أنّه القتال، كرهوا أو بعضهم
قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ الآية: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذًى كثيرًا قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله، ائذن لنا في قتالهم؛ فإنهم قد آذونا. فيقول لهم رسول الله ﷺ: «كُفُّوا أيديكم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم»
وعن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم، وأَمّا قوله: ﴿إلا قليلا﴾ فهو لقوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ إلا قليلًا
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر- أنّ ناسا من أهل مكة كتبوا إلى أصحاب النبي ﷺ أنهم قد أسلموا، وكان منهم كذبًا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون؛ فقالت طائفة: دماؤهم حلال. وقالت طائفة: دماؤهم حرام. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾
عن محمد بن السائب الكلبي: أنّ عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم، وخاف أن يظهر إسلامه، فخرج هاربًا إلى المدينة، فقدمها، ثم أتى أُطُمًا من آطامها، فتحصن فيه، فجزعت أمه جزعًا شديدًا، وقالت لابنيها أبي جهل والحارث ابن هشام -وهما لأمه-: لا يُظِلُّني سقفُ بيت، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تأتوني به. فخرجا في طلبه، وخرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أُنَيْسَة حتى أتوا المدينة، فأتوا عيّاشًا وهو في الأُطُم، فقالا له: انزل، فإنّ أمك لم يؤوها سقفُ بيتٍ بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعامًا ولا شرابًا حتى ترجع إليها، ولك اللهُ علينا أن لا نُكْرِهك على شيء، ولا نحول بينك وبين دينك. فلما ذكرا له جزع أمه، وأوثقا له؛ نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة، وأوثقوه بنِسَع، وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه، فقالت: واللهِ، لا أُحِلُّك مِن وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به. ثم تركوه مُوثَقًا في الشمس، وأعطاهم بعضَ الذي أرادوا، فأتاه الحارث بن يزيد، وقال: يا عياش واللهِ، لَئِن كان الذي كُنتَ عليه هُدًى لقد تركت الهُدى، وإن كان ضلالة لقد كنت عليها. فغضب عياش من مقالته، وقال: واللهِ، لا ألقاك خاليًا إلا قتلتك. ثم إن عيّاشًا أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم إن الحارث بن يزيد أسلم، وهاجر إلى المدينة، وليس عياش يومئذ حاضرًا، ولم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث بن يزيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أيَّ شيء صنعتَ؟ إنّه قد أسلم، فرجع عيّاش إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمتَ، وإنِّي لم أشعر بإسلامه حين قتلتُه. فنزل عليه جبريل عليه السلام بقوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾