جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول جلّ ثناؤه : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا بكلّ قرية عظماءها مجرميها، يعني : أهل الشرك بالله والمعصية له لِيَمْكُرُوا فِيها بغرور من القول أو بباطل من الفعل بدين الله وأنبيائه. وَما يَمْكُرُونَ : أي ما يحيق مكرهم ذلك، إلاّ بأنْفُسِهِمْ، لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدّهم عن سبيله. وهم لا يشعرون، يقول : لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه، فهم في غيهم وعتوّهم على الله يتمادون.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أكابِرَ مُجْرِمِيها قال : عظماءها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : أكابِرَ مُجْرِمِيها قال : عظماءها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : نزلت في المستهزئين. قال ابن جريج : عن عمرو، عن عطاء، عن عكرمة : أكابِرَ مُجْرِمِيها. . . إلى قوله : بِمَا كانُوا يَمْكُرُونَ بدين الله وبنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين.
والأكابر : جمع أكبر، كما الأفاضل : جمع أفضل. ولو قيل : هو جمع كبير، فجمع أكابر، لأنه قد يقال أكبر، كما قيل : قُلْ هُلْ أُنَبّئُكُمْ بالأخْسَرِينَ أعَمالاً واحدهم الخاسر لكان صوابا. وحُكي عن العرب سماعا : الأكابرة والأصاغرة، والأكابر والأصاغر بغير الهاء على نية النعت، كما يقال : هو أفضل منك. وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على «أفعل » إذا أخرجوها إلى الأسماء، مثل جمعهم الأحمر والأسود : الأحامر والأحامرة، والأساود والأساودة ومنه قول الشاعر :
| إنّ الأحامِرَةَ الثّلاثَةَ أهْلَكَتْ | مالي وكنتُ بِهِنّ قِدْما مُولَعَا |
| الخَمْرُ واللّحْمُ السّمِينُ أُدِيمُهُ | والزّعفرانُ فلَنْ أزالَ مُبَقّعَا |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا بكل قرية عظماءَها مجرميها= يعني أهل الشرك بالله والمعصية له= (ليمكروا فيها)، بغرور من القول أو بباطل من الفعل، بدين الله وأنبيائه = (وما يمكرون) : أي ما يحيق مكرهم ذلك، إلا بأنفسهم، لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدّهم عن سبيله ="وهم لا يشعرون"، يقول: لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه، (١) فهم في غيِّهم وعتوِّهم على الله يتمادَوْن.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٨٤٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٨٤٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (أكابر مجرميها)، قال: عظماءها.
١٣٨٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: نزلت في المستهزئين = قال ابن جريج، عن عمرو، عن عطاء، عن عكرمة: (أكابر مجرميها)، إلى قوله: (بما كانوا يمكرون)، بدين الله، وبنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين.
* * *
والأكابر: جمع"أكبر"، كما"الأفاضل" جمع"أفضل". ولو قيل: هو جمع"كبير"، فجمع"أكابر"، لأنه قد يقال:"أكبر"، كما قيل: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا)، [سورة الكهف: ١٠٣]، واحدهم"الخاسر"، لكان صوابًا. وحكي عن العرب سماعًا "الأكابرة" و"الأصاغرة"، و"الأكابر"، و"الأصاغر"، بغير الهاء، على نية النعت، كما يقال:"هو أفضل منك". وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على" أفعل"، إذا أخرجوها إلى الأسماء، مثل جمعهم"الأحمر" و"الأسود"،"الأحامر" و"الأحامرة"، و"الأساود" و"الأساودة"، ومنه قول الشاعر: (١)
| إنَّ الأحَامِرَة الثَّلاثَةَ أَهْلَكَتْ | مَالِي، وكُنْتُ بِهِنّ قِدْمًا مُولَعًا |