جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : الذين يؤدّون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه من زكاة وجهاد وحجّ وعمرة ونفقة على من تجب عليهم نفقته، فيؤدّون حقوقهم. أولَئِكَ يقول : هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال. هُمُ المُؤْمِنُونَ لا الذين يقولون بألسنتهم قد آمنا وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقا، لا يقيمون صلاة ولا يؤدّون زكاة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس : الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاةَ يقول : الصلوات الخمس. وممّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يقول : زكاة أموالهم. أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّا يقول : برئوا من الكفر. ثم وصف الله النفاق وأهله، فقال : إنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ باللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرّقُوا بينَ اللّهَ وَرُسُلِهِ. . . إلى قوله : أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقّا فجعل الله المؤمن مؤمنا حقّا، وجعل الكافر كافرا حقّا، وهو قوله : هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّا قال : استحقوا الإيمان بحقّ، فأحقه الله لهم.
القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
يعني جلّ ثناؤه بقوله : لَهُمْ دَرَجاتٌ لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم درجات، وهي مراتب رفيعة.
ثم اختلف أهل التأويل في هذه الدرجات التي ذكر الله أنها لهم عنده ما هي، فقال بعضهم : هي أعمال رفيعة وفضائل قدّموها في أيام حياتهم. ذكر من قال ذلك.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبّهِمْ قال : أعمال رفيعة.
وقال آخرون : بل ذلك مراتب في الجنة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن هشام بن جبلة، عن عطية، عن ابن محيريز : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبّهِمْ قال : الدرجات سبعون درجة، كل درجة حضر الفرس الجواد المضمّر سبعين سنة.
وقوله وَمَغْفرَةٌ يقول : وعفو عن ذنوبهم وتغطية عليها. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قيل : الجنة. وهو عندي ما أعدّ الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، عن هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة : وَمَغْفِرَةٌ قال : لذنوبهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال : الجنة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهاد وحج وعمرة ونفقةٍ على من تجب عليهم نفقته، فيؤدُّون حقوقهم= "أولئك"، يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال (١) = "هم المؤمنون"، لا الذين يقولون بألسنتهم: "قد آمنا" وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقًا، لا يقيمون صلاة ولا يؤدُّون زكاة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٦٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: "الذين يقيمون الصلاة"، يقول: الصلوات الخمس= "ومما رزقناهم ينفقون"، يقول: زكاة أموالهم (٢) = "أولئك هم المؤمنون حقًّا"، يقول: برئوا من الكفر. ثم وصف الله النفاق وأهله فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) : إلى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) [سورة النساء: ١٥٠-١٥١] فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافر كافرًا حقًّا، وهو قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) [سورة التغابن: ٢].
(٢) انظر تفسير " حقا " فيما سلف من فهارس اللغة (حقق).