جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فغير الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا : وقد قيل لهم قولوا هذه حطة : حنطة في شعيرة وقولهم ذلك كذلك هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى : فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزا مِنَ السّماءِ : بعثنا عليهم عذابا أهلكناهم بما كانوا يغيّرون ما يُؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله ويقولون غير الذي أمرهم الله بقيله. وقد بيّنا معنى الرجز فيما مضى.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا= وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة=: "حنطة في شعيرة". وقولهم ذلك كذلك، هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: "فأرسلنا عليهم رجزًا من السماءِ"، بَعثنا عليهم عذابًا، أهلكناهم بما كانوا يغيِّرون ما يؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم الله بفعله. (١)
* * *
وقد بينا معنى الرجز فيما مضى. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك، عن أمر "القرية التي كانت حاضرة البحر"، يقول: كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه.
* * *
واختلف أهل التأويل فيها.
(٢) (٢) انظر تفسير ((الرجز)) فيما سلف ٢: ١١٧، ١١٨ / ١٢: ٥٢١ / ١٣: ٧٢.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "أيلة"، بين مَدْين والطور.
١٥٢٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" قال: سمعنا أنها أيلة.
١٥٢٥٤- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداك؟ فقال: ويلك، وتعرِف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة! (١)
١٥٢٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي أيلة.
١٥٢٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هي قرية على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: "أيلة".
١٥٢٥٨- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: أيلة.
* * *
وقال آخرون: معناه: ساحلُ مدين.
١٥٢٥٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر، يقال لها أيلة.
* * *
وقال آخرون: هي مَقْنا.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "مقنا"، بين مدين وعَيْنُوني. (١)
* * *
| إِذْ هُنَّ فِي غَلَسِ الظَّلامِ قوارِبٌ | أَعْدَادَ عَيْنٍ من عُيُونِ أُثَالِ |
| يَجْتَزْنَ أَوْدِيَةَ البُضَيْعِ جَوَازِعًا | أجْوَازَ عَيْنُونَا، فَنَعْفَ قِبَالِ |
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٦١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي قرية بين أيلة والطور، يقال لها "مَدْين".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر= وجائز أن تكون أيلة= وجائز أن تكون مدين= وجائز أن تكون مقنا= لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يقطع العذر بأيِّ ذلك من أيٍّ، (١) والاختلاف فيه على ما وصفت. ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه، إلا بخبر يوجب العلم. ولا خبر كذلك في ذلك.
* * *
وقوله: "إذ يعدون في السبت"، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمرَ الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم.
* * *
يقال منه: "عدا فلان أمري" و"اعتدى"، إذا تجاوزه. (٢)
* * *
(٢) (٢) انظر تفسير: ((عدا)) و ((اعتدى)) فيما سلف ١٢: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
* * *
= "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا"، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه العمل= "شرَّعًا"، يقول: شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، كالذي: -
١٥٢٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا"، يقول: ظاهرة على الماء. (٢)
١٥٢٦٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "شرعًا"، يقول: من كلّ مكان.
* * *
وقوله: "ويوم لا يسبتون"، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت= "لا تأتيهم"، الحيتان= "كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده (٣) = "كذلك نبلوهم"، ونختبرهم (٤) = "بما كانوا يفسقون"،
(٢) (٢) الأثر: ١٥٢٦٢ - ((عثمان بن سعيد الزيات الأحول))، لا بأس به، مضى برقم: ١٣٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((عثمان بن سعد))، وهو خطأ محض. و ((بشر بن عمارة الخثعمي))، ضعيف، مضى أيضاً برقم: ١٣٧. وهذا الخبر جزء من خبر طويل مضى قديماً برقم: ١١٣٨ (٢: ١٦٨).
(٣) (٣) في المطبوعة والمخطوطة: ((وإخفائها))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٤) (٤) انظر تفسير ((الابتلاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (بلا).
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "ويوم لا يسبتون".
فقرئ بفتح "الياء" من (يَسْبِتُونَ) =من قول القائل: "سبت فلان يسبت سَبْتًا وسُبُوتًا"، إذا عظَّم "السبت".
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (وَيَوْمَ لا يُسْبَتُونَ) بضم الياء. =من "أسبت القوم يسبتون"، إذا دخلوا في "السبت"، كما يقال: "أجمعنا"، مرّت بنا جمعة، و"أشهرنا" مرّ بنا شهر، و"أسبتنا"، مرّ بنا سبت.
* * *
ونصب "يوم" من قوله: "ويوم لا يسبتون"، بقوله: "لا تأتيهم"، لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون.
* * *