جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿أُولََئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بالآخرة فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾
يعني بقوله جل ثناؤه :﴿أولئك الذين﴾ أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب فيفادون أسراهم من اليهود، ويكفرون ببعض، فيقتلون من حرّم الله عليهم قتله من أهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرّم الله عليهم إخراجه من داره، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها، بالإيمان الذي كان يكون لهم به في الاَخرة لو كانوا أتوا به مكان الكفر، الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالاَخرة لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها عوضا من نعيم الاَخرة الذي أعده الله للمؤمنين، فجعل حظوظهم من نعيم الاَخرة بكفرهم بالله ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا. كما : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُوا الحَياةَ الدّنْيَا بالاَخِرَةِ﴾ : استحبوا قليل الدنيا على كثير الاَخرة.
قال أبو جعفر : ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم الاَخرة بتركهم طاعته، وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه، لا حظّ لهم في نعيم الاَخرة، وأن الذي لهم في الاَخرة العذاب غير مخفف عنهم فيها العذاب لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب هو الذي له حظ في نعيمها، ولا حظ لهؤلاء لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم.
وأما قوله :﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الاَخرة أحد فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله، لا بقوّته ولا بشفاعته ولا غيرهما.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ "الياء"، اتباعا لقوله: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم)، ولقوله: (ويوم القيامة يردون). لأن قوله: (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك، أقرب منه إلى قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، فاتباعه الأقرب إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.
* * *
وتأويل قوله:"وما الله بغافل عما يعملون"، (١) وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة، بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أسراهم من اليهود، ويكفرون ببعض، فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [هم] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، (٣) وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه
(٢) مضى تفسير معنى"الغفلة" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ٢٤٤
(٣) ما بين القوسين زيادة، لا يستقيم الكلام بطرحها.