جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّواْ بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه، فقال بعضهم : معناه الشرك بالله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : لا يَشْهَدُونَ الزّورَ قال : الشرك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَالّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزّورَ قال : هؤلاء المهاجرون، قال : والزّور قولهم لآلهتهم، وتعظيمهم إياها.
وقال آخرون : بل عُنِي به الغناء. ذكر من قال ذلك :
حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربيّ قال : حدثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهد في قوله : وَالّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزّورَ قال : لا يسمعون الغِناء.
وقال آخرون : هو قول الكذب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَالّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزّورَ قال : الكذب.
قال أبو جعفر : وأصل الزّور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيّل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك، لأنه محسّن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حقّ، وهو باطل، ويدخل فيه الغناء، لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعُه سماعَه، والكذب أيضا قد يدخل فيه، لتحسين صاحبه إياه، حتى يظنّ صاحبه أنه حقّ، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزّور.
فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال : والذين لا يشهدون شيئا من الباطل، لا شركا، ولا غناء، ولا كذبا ولا غيره، وكلّ ما لزمه اسم الزور، لأن الله عمّ في وصفه إياهم، أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يُخَصّ من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل.
وقوله : وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما اختلف أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم : معناه : ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كراما : إعراضهم عنهم وصفحهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : صفحوا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : إذا أوذوا مرّوا كراما، قال : صفحوا.
وقال آخرون : بل معناه : مرّوا بذكر النكاح، كفوا عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب، عن مجاهد وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : إذا ذكروا النكاح كَفّوا عنه.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الأشيب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب، عن مجاهد، وَإذَا مَرّوا كِرَاما قال : كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبي مخزوم، عن سيار وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما إذا مرّوا بالرفَث كفّوا.
وقال آخرون : إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : هؤلاء المهاجرون، واللغو ما كانوا فيه من الباطل، يعني المشركين وقرأ : فَاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ.
وقال آخرون : عُنى باللغو ها هنا : المعاصي كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله : وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : اللغو كله : المعاصي.
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، أن يقال : إن الله أخبر عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مرّوا باللغو مرّوا كراما، واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان بالباطل الذي لا حقيقة له من اللّغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مما يُستقبح في بعض الأماكن، فهو من اللغو، وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو، أن يقال : عُني به بعض ذلك دون بعض، إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام : وإذا مرّوا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مرّوا كراما مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء. وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا، وذلك إذا أوذوا بإسماع القبيح من القول. وفي بعضه بأن يَنْهَوْا عن ذلك، وذلك بأن يروا من المنكر ما يغيّر بالقول فيغيروه بالقول. وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف، وذلك بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم، فيستصرخهم المراد ذلك منهم، فيصر خونهم، وكلّ ذلك مرورهم كراما. وقد :
حدثني ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، قال : مرّ ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله ﷺ :«إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيما ».
وقيل : إن هذه الآية مكية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، قال : سمعت السديّ يقول : وَإذَا مَرّوا باللّغْوِ مَرّوا كِرَاما قال : هي مكية، وإنما عنى السديّ بقوله هذا إن شاء الله، أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله : فَاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وأمرهم إذا مرّوا باللّغو الذي هو شرك، أن يُقاتلوا أمراءه، وإذا مرّوا باللغو، الذي هو معصية لله أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة، وهذا القول نظير تأويلنا الذي تأوّلناه في ذلك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أنزلت (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)... إلى قوله (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان هؤلاء إلا معنا، قال: ومن تاب وعمل صالحا فإن لهم مثل ما لهؤلاء (فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) لم تُحظر التوبة عليكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾
اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه، فقال بعضهم: معناه الشرك بالله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: (لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: الشرك.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: هؤلاء المهاجرون، قال: والزور قولهم لآلهتهم، وتعظيمهم إياها.
وقال آخرون: بل عني به الغناء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربيّ قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: لا يسمعون الغناء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: الكذب.
قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك، لأنه محسَّن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق، وهو باطل، ويدخل فيه الغناء، لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه، حتى يظنّ صاحبه أنه حق، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور.
فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل لا شركا، ولا غناء، ولا كذبا ولا غيره، وكلّ ما لزمه اسم الزور، لأن الله عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل.
وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) اختلف أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كراما إعراضهم عنهم وصفحهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: صفحوا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: إذا أوذوا مرّوا كراما، قال: صفحوا.
وقال آخرون: بل معناه: وإذا مرّوا بذكر النكاح، كفوا عنه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام
حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن مجاهد، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبي مخزوم، عن سيار (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) إذا مرّوا بالرفث كفُّوا.
وقال آخرون: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: هؤلاء المهاجرون، واللغو ما كانوا فيه من الباطل، يعني المشركين وقرأ (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ)
وقال آخرون: عُني باللغو هاهنا: المعاصي كلها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: اللغو كله: المعاصي.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مرّوا كراما، واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مما يُستقبح في بعض الأماكن، فهو من اللغو، وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو، أن يقال: عُني به بعض ذلك دون بعض، إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وإذا مرّوا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مرّوا كراما، مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء. وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا، وذلك إذا أو ذوا بإسماع القبيح من القول، وفي بعضه بأن يَنْهَوْا عن