-
طرقات علي باب التدبر
سورة المائدة
آية:104
— محمد علي يوسف
-
{ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا }
تقديم أفعال الآباء، والمورث من العادات والتقاليد على شرع الله= يناقض حقيقة الاستسلام لله.
— محمد الغرير
-
قوله {ما ألفينا عليه آباءنا} في هذه السورة وفي المائدة 4 7 ولقمان 21 {ما وجدنا}
لأن ألفيت يتعدى إلى مفعولين تقول ألفيت زيدا قائما وألفيت عمرا على كذا ووجدت يتعدى مرة إلى مفعول واحد تقول وجدت الضالة ومرة إلى مفعولين تقول وجدت زيدا جالسا فهو مشترك فكان الموضع الأول باللفظ الأخص أولى لأن غيره إذا وقع موقعه في الثاني والثالث علم أنه بمعناه.
— كتاب أسرار التكرار للكرماني
-
قوله {أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا} وفي المائدة {لا يعلمون}
لأن العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا جاز وصف الله به ولم يجز وصفه بالعقل فكانت دعواهم في المائدة أبلغ لقولهم {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} فادعوا النهاية بلفظ {حسبنا} فنفى ذلك بالعلم وهو النهاية وقال في البقرة {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ولم تكن النهاية فنفى بما هو دون العلم لتكون كل دعوى منفية بما يلائمها والله أعلم .
— كتاب أسرار التكرار للكرماني
-
آية (١٠٤) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ أباءنا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)
* الفرق بين الآيات : في سورة البقرة (أَلْفَيْنَا) وفي لقمان (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)) وفي المائدة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤)) .
- وجدنا وألفينا : في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (١٧٠)) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) ، أما (وجدنا) هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية والأمور المشاهدة (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) وجدهم يخلفون الميعاد .
الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد محسوس هو أقل علماً ومعرفة وإدراكاً ، ولذلك يستعمل (ألفينا) في الحالة الشديدة للذم أكثر من (وجدنا) .
-- (اتَّبِعُوا- بَلْ نَتَّبِعُ) - (تَعَالَوْاْ- حَسْبُنَا) :
قولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) في ظاهرها أبلغ من قولهم (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه فـ (اتَّبِعُوا) يناسبها (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا) وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ) يناسبها قولهم ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) يعني أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به فكلمة الحساب تدل على الدقة بالعدد والأرقام يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره، وفي القرآن مرة تأتي لحساب الرقم المادي، ومرة تأتي لحساب الإدراك الظني فالحق يقول (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم؟ هذا حساب بالفكر يمكن أن يخطئ ولذلك نسميه الظن ونعرفها بالفعل ، فإذا قلت حَسَبَ يَحسِب فالمعنى عَدَّ ، وإذا قلت حَسِبَ يَحسَب فهي للظن .
--- (لاَ يَعْقِلُونَ) و(لاَ يَعْلَمُونَ) :
في آية البقرة نفى عنهم العقل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) ، وفي المائدة نفى عنهم العلم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) . نفي العقل أشد من نفي العلم فاستعمل ألفى في نفي العقل ، ونفي العقل يعني نفي العلم ، فالعاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم . وفي آية لقمان (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) الشيطان يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف .
رأي آخر: إن (يعقلون) تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها كعلم من غيرهم الذي عقل ، إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل ، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط ، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره ، إذن فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى (لا يعلم) أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه .
وعندما يقول الحق سبحانه (لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا ، لكن عندما يقول (لاَ يَعْلَمُونَ) فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون ، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ) فكان وصفهم بـ (لاَ يَعْقِلُونَ) ، وعندما قالوا (حَسْبُنَا) وصفهم بأنهم (لاَ يَعْلَمُونَ) كالحيوانات تمامًا .
---- يختم الحق الآية في سورة البقرة وفي المائدة بقوله (وَلاَ يَهْتَدُونَ) لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم ، بين من يعقلون ومن يعلمون .
— مختصر لمسات بيانية
-
آية (104):
*ما الفرق بين وجدنا وألفينا في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائي)
نقرأ الآية التي فيها ألفينا والتي فيها وجدنا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) وفي الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة). آية ألفينا وآيتين وجدنا. في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس ولذلك قال بعض النحاة أنه ليس من أفعال القلوب، قسم يدخلوه في أفعال القلوب وقسم يقولون لا ليس من أفعال القلوب وإنما في الأفعال المحسوسة المشاهدة. أفعال القلوب قلبية يستشعر بها. وهي فعلاً في القرآن لم ترد إلا مشاهدة. في هذه الآيات في القرآن (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (69) الصافات) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (25) يوسف) (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (170) البقرة). (وجدنا) في القرآن وفي غير القرآن وردت قلبية وغير قلبية ومشاهدة وغير مشاهدة مثلاً (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً (37) آل عمران) (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا (86) الكهف) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ (39) النور) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ (102) الأعراف) يعني وجدهم يخلفون الميعاد، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) الأحزاب) (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) وجد هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية وألفينا للأمور المحسوسة هذا في القرآن أما في غير القرآن ففيها كلام. من حيث اللغة قسم من النحاة يقول هي ليست من أفعال القلوب أصلاً، هذا حكم عند قسم من النحاة. والنحاة في (وجد) هذه لا يختلفون فيها ويقولون هي من أفعال القلوب الأفعال المحسوسة أما (ألفى) فهم مختلفون فيها قسم يقول هي قد تأتي من أفعال القلوب وقسم يقول هي ليست من أفعال القلوب. في القرآن لم ترد في أفعال القلوب وإنما هي محسوسة. ماذا ينبني على هذا؟ التعبير كيف اختلف بالنسبة لهذا الأمر؟ الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد وحسوس معناه هو أقل علماً ومعرفة وإطلاعاً بمن هو أوسع إدراكاً، أقل، ولذلك عندما يستعمل (ما ألفينا عليها آباءنا) يستعملها في الذم أكثر من (وجدنا)، يعني يستعمل (ألفى) إذا أراد أن يذم آباءهم أشد من الحالة، الذم مختلف وقد تكون حالة أشد من حالة في الحالة الشديدة يستعمل ألفينا، يستعملها أشد في الذم. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) نفى عنهم العقل، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة) نفى عنهم العلم. أيّ الأشد تنفي العقل أو تنفي العلم؟ نفي العقل أشد. فاستعمل ألفى في نفي العقل ونفي العقل يعني نفي العلم. نفى العقل وفي الثانية نفى العلم، العاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم. وحتى في الآية الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) الشيطان يدعو العاقل أو غير العاقل" يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف، يدعوهم معناه هم أصحاب عقل إذن هو يستعمل ألفى إذا أراد أن يذم أشد بنفي العقل ويستعمل وجد لما هو أقل.
*الجاهليون كانوا يعلمون هذا الكلام ألفى ووجد والفروق الدلالية؟
هم قطعاً يستعملون ألفى في الأمور المادية المحسوسة أكثر ولذلك قال قسم من النحاة أنه ليس من أفعال القلوب.
*إذن كل كلمة في القرآن تحتاج إلى دراسة وإلى علم غزير وليس إلى وجهة نظر أو انطباع القارئ أو الباحث في القرآن الكريم وهناك علاقات ترابطية ودلالية لا بد أن تحتاج إلى علم وأي علم.
الاجتهاد مبني على علم وأصحاب علوم القرآن يذكرون شروط للذي يتصدى لهذا العلم، لا يأتي أحد ويقول أنا أفسر القرآن الكريم.
— فاضل السامرائي
-
(حَسْبُنَا )
هنا شدد النكير عليهم لأن قولهم (حَسْبُنَا): أي رفضوا ما جاءهم من الله تعالى، فقولهم هنا أشد من قولهم في قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} ﴿١٧٠﴾ سورة البقرة، إذ يحتمل أنهم يتبعون آباءهم ويتبعون هذا الدين ، أما في آية المائدة فكأنهم رفضوا أمر الدين تماماً فشدد عليهم .(في المطبوع 6/3432)
— محمد متولي الشعراوي
-
( لا يعقلون شيئا ) ، ( لا يعلمون شيئا ) : ( لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون ) البقرة ، ( لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون ) المائدة - في الأولى : ذمهم بعدم العقل لكونهم اتبعوا آباءهم دون دراية وعلم فهم مقلدون - في الثانية : نفي عنهم العلم لأنهم اكتفوا بما عند آبائهم فقالوا ( حسبنا ) ! ، وفي الحالين هم غير مهتدين .
— صالح التركي / من لطائف القرآن