جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ومن الأعراب من يَعُدّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك أو في معونة مسلم أو في بعض ما ندب الله إليه عباده مَغْرما يعني غُرْما لزمه لا يرجو له ثوابا ولا يدفع به عن نفسه عقابا. وَيَترَبّص بِكُمُ الدّوَائِرَ يقول : وينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروه ونفي محبوب، وغلبة عدوّ لكم. يقول الله تعالى ذكره : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ يقول : جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم، والله سميع لدعاء الداعين، عليم بتدبيرهم وما هو بهم نازل من عقاب الله وما هم إليه صائرون من أليم عقابه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله : ومِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَما وَيَتَرَبّصُ بِكُمُ الدّوَائِرَ قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا، أو يحاربوا، أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مَغْرما، ألا تراه يقول : وَيَتَرَبّصُ بِكُمُ الدّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والكوفة : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم : هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم : سؤته أسوءة سَوْءا ومساءة ومَسَائِيةً. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين :«عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوء » بضمّ السين كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوءِ فضمّ، لم يقل هذا رجل السّوء بالضمّ، والرجل السّوء، وقال الشاعر :
| وكُنْتَ كَذِئْبَ السّوْءِ لَمّا رأى دَما | بِصَاحِبِه يَوْما أحالَ عَلى الدّم |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده = (مغرما)، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا = (ويتربص بكم الدوائر)، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (٢) أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب، (٣) وغلبة عدوٍّ لكم. (٤) يقول الله تعالى ذكره: (عليهم دائرة السوء)، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم = (والله سميع)، لدعاء الداعين = (عليم) بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه. (٥)
* * *
(٢) انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) في المطبوعة " ونفى محبوب "، وأثبت ما في المخطوطة، وهي سيئة الكتابة.
(٤) انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف ١٠: ٤٠٤.
(٥) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (علم).
* ذكر من قال ذلك:
١٧٠٩٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: (ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء) ؟
* * *
واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين، بمعنى النعت لـ "الدائرة"، وإن كانت "الدائرة" مضافة إليه، كقولهم: "هو رجل السَّوْء"، "وامرؤ الصدق"، من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: "سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. (١)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ)، بضم السين، كأنه جعله اسمًا، كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: "عليهم دائرة السُّوء" فضم، لم يقل: "هذا رجل السُّوء" بالضم، و"الرجل السُّوء"، (٢) وقال الشاعر: (٣)
| وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا | بِصَاحِبِه يَوْمًا أحَالَ عَلَى الدَّمِ (٤) |
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٠.
(٣) هو الفرزدق.
(٤) ديوانه: ٧٤٩، وطبقات فحول الشعراء: ٣٠٦، والحيوان ٥: ٣١٩، ٦: ٢٩٨، واللسان (حول)، وغيرها كثير، من أبيات لها خبر طويل. وقوله: " أحال على الدم "، أي: أقبل عليه. والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله، وترك الإنسان (من كلام الجاحظ). وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله:
| فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ، إن رَأَى | بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهْوَ آكِلُهُ |