محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٥ من سورة هود في ١٠١ كتاب من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٥ من سورة هود

١٠١ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ * أَن لاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ اللّهَ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحا إلى قَوْمِهِ إنّي لَكُمْ أيّها القوم نَذِيرٌ من الله أنذركم بأسه على كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره. ويعني بقوله : مُبِينٌ : يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : إنّي فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض المدنيين بكسر «إن » على وجه الابتداء، إذ كان في الإرسال معنى القول. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح «أَنّ » على إعمال الإرسال فيها، كأن معنى الكلام عندهم : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين.
والصواب من القول في ذلك عندي، أن يُقال : إنهما قراءتان متفقتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبا للصواب في ذلك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه: إني لكم، أيها القوم، نذير من الله، أنذركم بأسَه على كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره.
ويعني بقوله: (مبين)، يبين لكم عما أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه. (١)
* * *
واختلفت القراء في قراءة قوله: (إني).
فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض المدنيين بكسر "إنّ" على وجه الابتداء إذ كان في "الإرسال" معنى "القول".
* * *
وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح "أن" على إعمال الإرسال فيها، كأن معنى الكلام عندهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأني لكم نذير مبين.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال إنهما قراءتان متفقتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبًا للصواب في ذلك.
* * *
وقوله: (أن لا تعبدوا إلا الله) فمن كسر الألف في قوله: (إني) جعل قوله: (أرسلنا) عاملا في "أنْ" التي في قوله: (أن لا تعبدوا إلا الله)، ويصير
(١) انظر تفسير " نذير " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (نذر)، (بين).
المعنى حينئذ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، أن لا تعبدوا إلا الله، وقل لهم: إني لكم نذير مبين = ومن فتحها ردّ "أنْ" في قوله: (أن لا تعبدوا) عليها. فيكون المعنى حينئذ: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأني لكم نذير مبين، بأن لا تعبدوا إلا الله.
* * *
ويعني بقوله: [بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناس]، عبادة الآلهة والأوثان، (١)
وإشراكها في عبادته، وأفردوا الله بالتوحيد، وأخلصوا له العبادة، فإنه لا شريك له في خلقه.
* * *
وقوله: (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)، يقول: إني أيها القوم، إن لم تخصُّوا الله بالعبادة، وتفردوه بالتوحيد، وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان= أخاف عليكم من الله عذابَ يوم مؤلم عقابُه وعذابُه لمن عُذِّب فيه.
* * *
وجعل "الأليم" من صفة "اليوم" وهو من صفة "العذاب"، إذ كان العذاب فيه، كما قيل: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)، [سورة الأنعام: ٩٦]، وإنما "السكن" من صفة ما سكن فيه دون الليل.
* * *
(١) هكذا جاءت الجملة في المخطوطة والمطبوعة، والسقط فيها ظاهر بين، وكأن الصواب إن شاء الله:
" ويعني بقوله: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)، أي: اتركوا عبادة الآلهة... "

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عَبَدة الأصنام أنه قال لقومه :﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي : ظاهر النّذَارَة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله ؛ ولهذا قال :﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ وقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عَذَّبكم الله عذابا أليما مُوجعًا شاقًا في الدار الآخرة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبَدة الْأَصْنَامِ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: ظَاهِرُ النّذَارَة لَكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِنْ أَنْتُمْ عَبَدْتُمْ غَيْرَ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ إِنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ عَذَّبكم اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا مُوجعًا شَاقًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ وَالْمَلَأُ هُمَ: السَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ مِنَ الْكَافِرِينَ مِنْهُمْ: ﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أَيْ: لَسْتَ بِمَلَكٍ، وَلَكِنَّكَ بَشَرٌ، فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ دُونِنَا؟ ثُمَّ مَا نَرَاكَ (١) اتَّبَعَكَ إِلَّا أَرَاذِلُنَا (٢) كَالْبَاعَةِ وَالْحَاكَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ وَلَمْ يَتْبَعْكَ الْأَشْرَافُ وَلَا الرُّؤَسَاءُ [مِنَّا] (٣) ثُمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَرَوّ مِنْهُمْ وَلَا فِكْرَةٍ وَلَا نَظَرٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتَهُمْ أَجَابُوكَ فَاتَّبَعُوكَ (٤) ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أَيْ: فِي أَوَّلِ بَادِئِ الرَّأْيِ، ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا لَكُمْ عَلَيْنَا فَضِيلَةً فِي خَلْق وَلَا خُلُق، وَلَا رِزْقٍ وَلَا حَالٍ، لَمَّا دَخَلْتُمْ فِي دِينِكُمْ هَذَا، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أَيْ: فِيمَا تَدَّعونه (٥) لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْعِبَادَةِ، وَالسَّعَادَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ إِذَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا.
هَذَا اعْتِرَاضُ الْكَافِرِينَ عَلَى نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَتْبَاعِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَارٍ عَلَى الْحَقِّ رَذَالة مَنِ اتَّبَعَهُ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِهِ صَحِيحٌ، وَسَوَاءٌ اتَّبَعَهُ الْأَشْرَافُ أَوِ الْأَرَاذِلُ (٦) بَلِ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ أَتْبَاعَ الْحَقِّ هُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَوْ كَانُوا فَقُرَّاءَ، وَالَّذِينَ يَأْبَوْنَهُ هُمُ الْأَرَاذِلُ، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ. ثُمَّ الْوَاقِعُ غَالِبًا أَنَّ مَا يَتَّبِعُ الْحَقَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، وَالْغَالِبُ عَلَى الْأَشْرَافِ وَالْكُبَرَاءِ مُخَالَفَتُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٣]، (٧) وَلَمَّا سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ عَنْ صِفَاتِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَوْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.
وَقَوْلُهُمْ (٨) ﴿بَادِيَ الرَّأَي﴾ لَيْسَ بِمَذَمَّةٍ وَلَا عَيْبٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا وَضَحَ لَا يَبْقَى لِلتَّرَوِّي (٩) وَلَا لِلْفِكْرِ مَجَالٌ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِكُلِّ ذِي زَكَاءٍ وَذَكَاءٍ وَلَا يُفَكِّرُ وَيَنْزَوِي هَاهُنَا إِلَّا عَيِيّ أَوْ غَبِيٌّ (١٠). وَالرُّسُلُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، إِنَّمَا جَاءُوا بِأَمْرٍ جَلِيٍّ وَاضِحٍ.
وَقَدْ
(١) في ت، أ: "لا نراك.
(٢) في ت: "أرذلنا".
(٣) زيادة من ت، أ.
(٤) في ت، أ: "واتبعوك".
(٥) في ت: "تدعوهم"، وفي أ: "تدعونهم".
(٦) في ت، أ: "الأرذال".
(٧) في ت: "من نبي".
(٨) في ت: "وقوله".
(٩) في ت: "للروي"، وفي أ: "للردي".
(١٠) في ت، أ: "غني".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٥ - ٤٩ } ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
إلى آخر القصة(١)  أي : ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم :﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي : بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال.
١ - في ب: أكمل الآيات إلى قوله تعالى: " فاصبر إن العاقبة للمتقين "..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٥ - ٤٩} ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
إلى آخر القصة (١) أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني.
{٢٧} ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين.
﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب، الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر، أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة.
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة، بزعمهم.
وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟.
وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب، يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية، التي تحتاج إلى تأمل، وفكر طويل.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه.
ولهذا ﴿قَالَ﴾ لهم نوح مجاوبا ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله، عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، فحسبك بهذا القول، شهادة له وتصديقا.
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: أوحى إلي وأرسلني، ومنَّ علي بالهداية، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم.
﴿أنلزمك موها﴾ أي: أنكرهكم على ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟ ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ حتى حرصتم على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم -[٣٨١]- وافتراؤكم علينا، صادا لنا عما كنا عليه.
وإنما غايته أن يكون صادا لكم أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم، على ما أمر الله، ولا إلزامكم، ما نفرتم عنه، ولهذا قال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
(١) في ب: أكمل الآيات إلى قوله تعالى: " فاصبر إن العاقبة للمتقين ".
﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على دعوتي إياكم ﴿مَا لا﴾ فستستثقلون المغرم.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء، فقال لهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ما ينبغي لي، ولا يليق بي ذلك، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام، والإعزاز والإعظام ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حيث تأمرونني، بطرد أولياء الله، وإبعادهم عني. وحيث رددتم الحق، لأنهم أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل.
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي: من يمنعني من عذابه، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال، الذي لا يمنعه من دون الله مانع.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ما هو الأنفع لكم والأصلح، وتدبرون الأمور.
﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم، وأنذركم، وأما ما عدا ذلك، فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي، أدبرها أنا، وأعطي من أشاء، وأحرم من أشاء، ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبركم بسرائركم وبواطنكم ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة سوى المنزلة، التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس، بظني.
﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ أي: ضعفاء المؤمنين، الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فإن كانوا صادقين في إيمانهم، فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك، فحسابهم على الله.
﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا تأييس منه، عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين، أو يمقتهم، وتقنيع لقومه، بالطرق المقنعة للمنصف.
فلما رأوه، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ولم يدركوا منه مطلوبهم ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة، لنبيهم الناصح.
فهلا قالوا إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا، وأشفقت علينا، ودعوتنا إلى أمر، لم يتبين لنا، فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، وإلا فأنت مشكور في نصحك. لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر خفي عليه، ولكنهم في قولهم، كاذبون، وعلى نبيهم متجرئون. ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة.
ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم - إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته، أن ينزله بكم، فعل ذلك. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء.
﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: إن إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم، لردكم الحق، فلو حرصت غاية مجهودي، ونصحت لكم أتم النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح، كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن المعنى: أن قومه يقولون: افترى على الله كذبا، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله، وأن الله أمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: كل عليه وزره ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون هذه الآية معترضة، في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان التام فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله.
فإذا زعموا - مع هذا - أنه افتراه، علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال، الإعراض عنهم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي: ذنبي -[٣٨٢]- وكذبي، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: فلم تستلجون في تكذيبي.
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ أي: قد قسوا، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فلا تحزن، ولا تبال بهم، وبأفعالهم، فإن الله قد مقتهم، وأحق عليهم عذابه الذي لا يرد.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي: بحفظنا، ومرأى منا، وعلى مرضاتنا، ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: لا تراجعني في إهلاكهم، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: قد حق عليهم القول، ونفذ فيهم القدر.
فامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ﴾ ورأوا ما يصنع ﴿سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ الآن ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نحن أم أنتم. وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر.
﴿قُلْنَا﴾ لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها ﴿وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ ﴿و﴾ الحال أنه ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ نوح لمن أمره الله أن يحملهم: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره.
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين.
ثم وصف جريانها كأنا نشاهدها فقال: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ أي: بنوح، ومن ركب معه ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ والله حافظها وحافظ أهلها ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ لما ركب، ليركب معه ﴿وَكَانَ﴾ ابنه ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعدا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فيصيبك ما يصيبهم.
فـ ﴿قَالَ﴾ ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة.
﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: سأرتقي جبلا أمتنع به من الماء، فـ ﴿قَالَ﴾ نوح: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ فلا يعصم أحدا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ﴾ الابن ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين.
﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا، وسحقا لا يزال معهم.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي: وقد قلت لي: فـ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ ولن تخلف ما وعدتني به.
لعله عليه الصلاة والسلام، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوض الأمر لحكمة الله البالغة.
فـ ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الذين وعدتك بإنجائهم ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: هذا الدعاء الذي دعوت (١) به، لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله.
﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيرا، أو غير خير.
﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: أني أعظك وعظا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين.
فحينئذ ندم نوح، عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
-[٣٨٣]-
فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحا، عليه السلام، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾.
وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم.
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها.
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هذا الإنجاء، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك، أحللنا به العقاب، وإن متعوا قليلا فسيؤخذون بعد ذلك.
قال الله لنبيه محمد ﷺ بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة، التي لا يعلمها إلا من منَّ عليه برسالته.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ فيقولوا: إنه كان يعلمها.
فاحمد الله، واشكره، واصبر على ما أنت عليه، من الدين القويم، والصراط المستقيم، والدعوة إلى الله ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه.
(١) في النسختين: دعيت، وقد عدلت في ب إلى: دعوت.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠١ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٢٥ من سورة هود

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة هود (١١) : آية ٢٢]

لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)
لا جَرَمَ قد تكلّم العلماء فيه، فقال الخليل وسيبويه «١» : جرم بمعنى حقّ، «فإنّ» عندهما في موضع رفع وهذا قول الفراء «٢» ومحمد بن يزيد وزعم الخليل أن «لا» هاهنا جيء بها ليعلم أنّ المخاطب لم يبتدئ كلامه وإنّما خاطب من خاطبه والكلام يجاء به ليدلّ على المعاني. وقال أبو إسحاق: «لا» هاهنا نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم كان المعنى لا ينفعهم ذلك جَرَمَ أَنَّهُمْ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران فإنّ عنده في موضع نصب، وقال الكسائي: في الإعراب لا صدّ ولا منع عن أنهم، وحكى الكسائي فيها أربع لغات «لا جرم»، «ولا عن ذا جرم» و «لا انّ ذا جرم» قال: وناس من فزارة يقولون: لا جر أنهم بغير ميم، وحكى الفراء «٣» فيه لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون: لا ذا جرم، قال: وناس من العرب يقولون: لا جرم بضم الجيم.

[سورة هود (١١) : آية ٢٣]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣)
إِنَّ الَّذِينَ اسم إنّ آمَنُوا صلة وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ عطف على الصلة قال مجاهد «أخبتوا» اطمأنوا وقال الفراء: أخبتوا إلى ربهم ولربهم واحد وقد يكون المعنى وجّهوا أخباتهم إلى ربهم. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خبر «إنّ».

[سورة هود (١١) : آية ٢٤]

مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ابتداء، والخبر كَالْأَعْمى وما بعده. قال الأخفش: أي كمثل الأعمى قال أبو جعفر: التقدير: مثل فريق الكافر كالأعمى والأصمّ ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير ولهذا هَلْ يَسْتَوِيانِ ولا يقع هاهنا من حروف العطف إلّا الواو لأنها للاجتماع، وحكى سيبويه: مررت بأخيك وصديقك.

[سورة هود (١١) : آية ٢٥]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي أي فقال إنّي وأني أي بأنّي.

[سورة هود (١١) : آية ٢٧]

فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ قال إسحاق: «الملأ» الرؤساء أي هم مليئون بما
(١) انظر الكتاب ٣/ ١٥٩.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٨.
(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٥ من سورة هود

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِنِّى لَكُمْ

(أَنِّى) بفتح الهمزة

إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

(إِنِّى) بكسر الهمزة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٥ من سورة هود

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
قال مقاتل: بُعِث نوح بعد مائة سنة، وأمره ربُّه ببناء السفينة وهو ابنُ ستمائة سنة، وكان عمرُه ألفًا وخمسين عامًا، ولَبِث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة، قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، أي: فلبِث فيهم داعيًا، ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك﴾ يا نوح ﴿إلا بشرا مثلنا﴾ آدميًّا مثلنا ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ سَفِلتنا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏١٦٥. وتفسير البغوي ٤‏/‏١٧٠.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ولَمّا كذَّب كُفّار مكة محمدًا بالرسالة أخبر اللهُ محمدًا عليه السلام أنّه أرسله رسولًا كما أرسل نوحًا، وهودًا، وصالحًا، ولوطًا، وشعيبًا في هذه السورة، فقال: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ فقال لهم: ﴿إني لكم نذير﴾ مِن العذاب في الدنيا ﴿مبين﴾ يعني: بيِّن. نظيرها فى سورة نوح١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٧٨. يشير إلى قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح:٢].
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل- قال: كان مِن حديث نوحٍ وحديث قومه -فيما يَذْكُر أهلُ العلم-: أنّه كان حليمًا صبورًا، لم يلق نبيٌّ مِن قومه مِن البلاء أكثرَ مِمّا لقي، إلا نبي قُتِل. وكان يدعوهم كما قال الله تعالى: ليلًا ونهارًا، وسِرًّا وجِهارًا بالنصيحة لهم، فلم يَزِدهم ذلك منه إلا فرارًا، حتى إنّه لَيُكَلِّم الرجل منهم فيلف رأسَه بثوبه، ويجعل أصابعه في أُذُنَيْه؛ لكيلا يسمع شيئًا مِن قوله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٢١-٢٠٢٢.
التفسير بالمأثور لسورة هود كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٥ من سورة هود

١١ وقفةً في هذه الآية

  • في آيات سورة هود خبر نوح عليه السلام وهو أول الرسل، وقد ثنّى الله ذكره في القرآن، فهو من أولي العزم، ولأوليته في القيام بأمر الله مزية، وهو أطول الأنبياء مكابدة في الدعوة، وهذا الموضع أبسط مواضع ذكره في القرآن.

    — إبراهيم الأزرق

  • اختصار الدعوة في آيتين (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)تحديد الجهة التي ارسل إليها (إني لكم نذير مبين)تحديد المهمة (أَن لا تعبدوا إِلا الله) تحديد هدفه في دعوته (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)عاقبة الإعراض والصد علي الداعية أن يكون واضحا ومحددا في دعوته

    — مجالس التدبر

  • {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} بتحديد المهمة والجهة والهدف.. اكتملت وظيفة الرسالة.

    — محمد الغرير

  • قوله {لقد أرسلنا نوحا} في هذه السورة بغير واو وفي هود 25 والمؤمنين 23 ولقد بالواو لأنه لم يتقدم في هذه السورة ذكر رسول فيكون هذا عطفا عليه بل هو استئناف كلام وفي هود تقدم ذكر الرسول مرات وفي المؤمنين تقدم ذكر نوح ضمنا في قوله {وعلى الفلك} لأنه أول من صنع الفلك فعطف في السورتين بالواو

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • قوله {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير} بالفاء وبعده {فقال الملأ} بالفاء وهو القياس وقد سبق

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • قوله {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} فكرر لكم وقال في هود {ولا أقول إني ملك} فلم يكرر لكم لأن في هود تقدم {إني لكم نذير} وعقبه {وما نرى لكم} وبعده {أن أنصح لكم} فلما تكرر لكم في القصة أربع مرات اكتفى بذلك.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا) بغير واو. وفى هود: (ولقد أرسلنا) ؟ . جوابه: أن هنا لم يتقدمه دعوى نبوة ورد قوم مدعى ذلك عليه، فهو كلام مبتدأ. وفى هود والمؤمنين: تقدم ما يشعر بذلك وهو قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى) الآية، فحسن العطف عليه بالواو، وتسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتخويفا لقومه بقوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) ، (أم يقولون افتراه) الآيات. وأما المؤمنين: فلتقدم ذكر نعمه على المكلفين بحملهم على الفلك الذي كان سببا لوجودهم ونسلهم، فعطفت عليه بالواو وبقوله: (وعليها وعلى الفلك تحملون (22) فلأنه تقدم قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) فناسب العطف عليه بقوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا) الآية.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (٢٥) : * قصة سيدنا نوح عليه السلام متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم: في القصص القرآني عموماً ليس هنالك تكرار، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء، وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى، يعني يُذكر في السورة ما تكمل السورة التي قبلها، لو لاحظنا في الأعراف أول موضع وردت فيه قصة نوح عليه السلام كانت القصة موجزة من حيث أحداثها، وبدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) من دون أن تُسبق بالواو، ثم في كل المواطن التي تلتها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة، وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى. في سورة الأعراف - تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)) . - هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠)) . - هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) . - لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً. في سورة يونس - لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله فاكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها هنا كأنها استكمال لما ورد هناك. - اكتفى برد قومه في الأعراف فلم يذكر ماذا قال له قومه في يونس ولكن ذكر كلاماً آخر. - بدأوا في الكلام في الأعراف وهو رد عليهم، واستكمل الرد عليهم في سورة يونس فيما أخذوه على شخصه هو، فتحداهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١)) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا ملمح جديد لم يذكره في الأعراف. - لم يذكر أن له أتباعاً (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢))، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها. في سورة هود - القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود. - دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وذكر رد الذين كفروا. - الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع وبدأوا يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)) هذا ليس في يونس. - كان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) . - ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس. - وذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (٣٨)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٤٤)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، ففي يونس قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (٧٣)) ولم يذكر كيف نجّاه. - كل ها لغرض بياني ليعرف كيف يتصرف الداعية فبدأ أول مرة بـ (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟ في سورة الأنبياء - القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء، هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا. - قال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)) لم يذكر دعوة، هذا في سياق دعاء الأنبياء. - سمة عامة متشابهة للأنبياء المذكورين على تطاول المدة ذكر كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء وربنا يستجيب لهم. في سورة المؤمنون - ذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)) الفلك عامة. - الجانب المذكور في سورة المؤمنون من قصة نوح لا يطابق ما ورد من قبل، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) ولم يقل شيئاً آخر. - قومه لم يواجهوه بكلام أبداً لكن كانوا يذكرون رأيهم في مجالسهم في غيبته (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)) أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر لم يُذكر فيما سبق هذا استكمال، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه، وهذا تنبيه أيها الداعية أنت تتوقع أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث. - لأول مرة دعا ربه لينصره بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)) لجوء إلى الله بصراحة. في سورة الشعراء - أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية لتدل على وحدة الرسالة. - ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير. - في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه أمرهم بالعبادة في الأعراف وفي المؤمنون (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وفي هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما هنا مرحلة بعد العبادة، وكأن الخطاب السماوي تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى. في سورة العنكبوت - لم يذكر لا دعوة ولا موقف قومه منه. - لم يذكر تقوى ولا طاعة. - ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)) . - حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك. في سورة الصافات - ليس فيها دعوة. - لكن ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)) من أي كرب؟ لم يوضح. - إنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧))، هذا لم يذكر المواطن الأخرى، بعد الـ٩٥٠ سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين. - ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)) من هم الآخَرين؟ لم يذكر. - في النجاة لم يذكر غير أهله لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هذا يسمى من المقامات الخفية، هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ لا. هم نجوا، لكن قضوا أعمارهم وماتوا فلم يشر إليهم، وبقيت ذرية نوح فقط. في سورة القمر - استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (٩)) . - نلاحظ أنه لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قومه وزجر قومه له. - ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة واستمرت قروناً ونفض يده من استجابتهم دعا ربه. - وبعد الدعاء الاستجابة السريعة (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)) . - لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) . - كان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ. في سورة نوح - آخر موطن تذكر فيها قصة نوح واسم نوح، وفي كل موطن يذكر جانباً مختلفًا. - سورة نوح هي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، ذكر فيه موقف قومه منه، ولم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء: - (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)) هذا بدء الرسالة، أمره ربه بإنذار قومه. - استجاب نوح لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢)) . - ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)) . - ثم ذكر ماذا كان منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)) . - ثم ذكر ماذا كان منهم وماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)) . - ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)) . - ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥)) وفي الآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) . - ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو توصية أن يهلكهم كلهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) خاتمة التقرير. - ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) إذن المقترح والتعليل. - ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) لعله أن يكون قد قصّر في عمله. - طلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!.. - لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة. - هذا التقرير الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ولم يصنعه كثير من الأنبياء لأن قول نوح للبشرية ، والبشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) الصافات)، وأما قول الباقين فلأقوامهم، لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية. هذا تقرير عجيب جمع صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وخلاصة رحلته الطويلة! - في الأعراف والمؤمنون الأمر بالعبادة (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، وفي هود إنذار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وفي الشعراء أمر بالتقوى والطاعة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، وفي التقرير النهائي في نوح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) جمع ما تفرق وما قيل في كل القصص في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح. - ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) و(أن) المفسِّرة (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، وهود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، والشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)) قول، فجمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينها في موطن آخر. * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟ هذه ابتدائية، ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام. * (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) جاءت إني بالكسر على إضمار القول، على تقدير فقال إني لكم نذير مبين.

    — مختصر لمسات بيانية

  • ( لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ) ، ( ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ) : - { لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه } آية الأعراف : وحيدة بهذا اللفظ دون واو ذلك أن اللام فيها للابتداء ، مما يعني أن القصة هي أول قصة تذكر بالسورة أما في بقية القرآن جاءت { ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه } بواو العطف ( ولقد ) إشارة إلى أن تلك القصص عطفت قصص أخر .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية * الملاحظ أن قصة سيدنا نوح توزعت وكانت متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم، مثل الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر واختتمت بسورة تحمل اسم سيدنا نوح سورة نوح، هل هذا تكرار؟ هل هذا ملامح مختلفة؟ ماذا عن قصة نوح في هذه السور كنظرة إجمالية من موقع لغوي من مرصدك الخاص؟ ذكرنا أنه ليس هنالك تكرار وليست هذه القصص التي ذكرت في عدة سور هي متطابقة في كل جزئياتها ، في القصص القرآني عموماً، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء. وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى. يعني يُذكر في السورة التي بعدها ما تكمل السورة التي قبلها، هذا هو الملاحظ. أول ما ذُكِرت في سورة هود كقصة. لكن هي بدأت في الأعراف. لو لاحظنا في الأعراف كانت القصة موجزة من حيث أحداثها. وهي أول موضع وردت فيه، الحقيقة هنالك ملاحظة أن هذه القصة بدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59) الأعراف) من دون أن تُسبق بالواو. هنا قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) ليس فقط هنا وإنما في كل المواطن التي قال فيها لقد أرسلنا على الأقل يقول (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى، كل ما ورد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) في كل موطن كلها عدا سورة نوح. حتى أحياناً في غير هذا التعبير في يونس قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ (71)) أيضاً الواو ليست عاطفة، في الأنبياء (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ (76)) هو لا يذكر الواو عندما القصص الواردة معها ليس فيها واو كما ورد في سورة الشعراء والقمر كلها ليس فيها واو، في الشعراء (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105)) (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)) (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)) وكذلك القمر (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (9)) (كَذَّبَتْ عَادٌ (18)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23)) كلها على نمط واحد. السؤال ماذا تضمنت في الأعراف؟ * هل هنالك تسلسل زمني، تسلسل روائي، تسلسل سردي في القصة موزع على هذه السور؟ أم هي ملامح خاصة بالموضوع؟ هي ملامح لا شك لكن في كل موضع يذكر يضيف شيئاً جديداً. هي تبدأ في الأعراف وتبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً مذكورة في الأعراف كلها (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ). جميع دعوات الرسل في سورة الأعراف كلها (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) كل القصص الواردة في الأعراف وهذه واحدة منها. وأيضاً سيدنا نوح بدأ بها (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)) هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60)) هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61)). لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً. سورة يونس كانت كأنها استكمال لما ورد في الأعراف، هو أولاً لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله في يونس ولم يذكر ماذا قال له قومه، ما ذكر هذا الأمر لأنهم في الأعراف ردوا عليه (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60)) فهو استكمل الرد عليهم في هذه المسألة فيما أخذوه على شخصه هو، هو تحداهم (يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) يونس) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا أمر لم يذكره في الأعراف، هذا ملمح جديد. هناك بدأوا في الكلام وهو رد عليهم في الأعراف واستكمل الرد عليهم في سورة يونس. ولم يذكر أن له أتباعاً، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها، هو الآن لم يذكر الدعوة أصلاً. * أليست (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) دعوة؟ هذه في الأعراف. في سورة يونس قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71)) لم يذكر دعوة. تحداهم في هذه المسألة (فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)) لكن لم يذكر أن له أتباع. إذن هو اكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها في يونس، اكتفى برد قومه في الأعراف لكن في يونس ذكر كلاماً آخر. في سورة هود القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود، دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وأنه دعاهم إلى عبادة الله وذكر رد الذين كفروا، الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) هود) هذا في هود وليس في يونس، أنهم يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) بدأوا يسفّهونهم، وكان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)) ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس. ذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (38)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (44)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، هناك قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (73) يونس) كيف نجّاه؟ * هنا تفصيل، هذا من سمات القرآن ربما يُجمل في موقف ويفصِّل في موقف؟ هل لهذا غرض بياني؟ طبعاً، لا شك هناك غرض بياني في كل مسألة يذكرها ينصرف على أمر، بالنسبة للأتباع للدعاة حتى يعرف كيف يتصرف الداعية إذا نالوا منه أتباعه لأنها تتعلق بالدعوة وبشخصه هو وبمن معه، الفكر بدأ به أول مرة (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟ في سورة الأنبياء القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء. هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا. قال في الأنبياء (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)) لم يذكر دعوة. (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ) أي دعا، هذا في سياق دعاء الأنبياء * ما معنى (مِن قَبْلُ)؟ من قبل الأزمة التي هو فيها. (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ (83)) كلها في سياق واحد (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ (87)) (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ (76)) إذن هي في سياق متشابه، سياق الأنبياء ذكر نجاة إبراهيم ولوط ونجاة نوح واستجابة الدعاء، ترى المسألة هي هكذا شأن الأمم على تطاولها والأنبياء هم هكذا يقعون في أزمة فيدعون ربهم وربنا يستجيب لهم، هو حالة متشابهة للأنبياء المذكورين ذكر سمة عامة على تطاول المدة كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء سواء كان نبياً أم رسولاً (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (84) الأنبياء). في المؤمنون أولاً هو ذكر القصة بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك. * لغوياً يجوز أن نقول (في المؤمنون) على الحكاية حتى لا يخطّئنا أحد المشاهدين؟ نعم، على الحكاية. فذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد حمل الأنعام (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22))، ذكر الحمل في الفلك والأنعام فبدأ بقصة المؤمنون. قال (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)) ثم بدأ بقصة نوح. * المقصود بالفلك عامة؟ وليست خاصة بسيدنا نوح تحديداً؟ عامة، بعدها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (23)). أول مرة ذكر الأنعام والفلك عامة (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ثم ذكر قصة نوح. كيف ذكر قصة نوح؟ الجانب المذكور في سورة المؤمنون لا يطابق ما ورد، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)) ولم يقل شيئاً آخر، فقط ذكّرهم بالدعوة، قومه لم يواجهوه بكلام أبداً، لم يذكروا شيئاً ولا قالوا له شيئاً، هم كانوا يذكرون رأيهم في غيبته، في مجالسهم، أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر، الناس تتكلم معهم ثم عندما تنصرف عنهم كيف تتكلمون؟ ماذا يقولون فيه؟ في مجالسهم، في هود كان الكلام معهم مباشرة. انفضوا عنه لم يواجهوه يتكلمون فيما بينهم، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه. فالآن في المؤمنون ذكر ماذا قالوا فيه وماذا كانوا يقولون وليس في حضوره، إذن هذا استكمال. ماذا قالوا في غيبته؟ ماذا يقولون؟. ولأول مرة دعا ربه لينصرنه بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) المؤمنون). * هنا بداية اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى من شدة الظلم؟ لجوء إلى الله بصراحة. في المؤمنون قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)) قالوا (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) ولم يقولوا ما أنت إلا بشر، هذا في مجالسهم إذن هذه قطعاً ليست تكراراً لما قبله، هذا المشهد لم يُذكر فيما سبق وإنما هو وصف للمجتمعات أنت تتوقع الداعية عندما يدعو بعد أن يتكلم يقع الأمر وانتهى وإنما هنالك الكلام مستمر في خلف ظهره وهذا واقع الحياة هكذا تنبيه لنا أنه أنت أيها الداعي لا تتصور أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث. في الشعراء أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) الشعراء) (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)) (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ () أَلَا تَتَّقُونَ (*) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (*) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (*)) كل الرسل، هذه تدل على وحدة الرسالة هذا ما قاله في الأقوام الأخرى، لو نرجع إلى سورة الشعراء تجد كل الرسل ينطقون بهذه العبارة. ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير، لكن قصة نوح كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه في الأعراف قال (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (59)) أمرهم بالعبادة، وفي سورة المؤمنون نفس الأمر وحتى في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26)) أمرهم بالعبادة، في الأعراف (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) في المؤمنون كذلك، في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله. * أليست هذه عبادة؟ (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) العبادة قالها أولاً. هذه مرحلة بعد العبادة. * أليست تقوى الله وطاعة الرسول بعد؟ بعد العبادة. * إذن واضح أن هنالك من اتبعه وآمن به؟ هو يأمرهم أمراً، المتقي أول مرة يعبد الله ثم يتقي، إذن أول مرة الدعوة للعبادة خلقهم ليعبدوه * وكأن الخطاب السماوي منه تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى ! طبعاً، هو في السابق لم يقل (فاتقوا الله) هو أمرهم بعبادة الله، هذه مرحلة بعد تلك، التوقي بعد العبادة، ثم طاعة الرسل هذه أول مرة يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). وهكذا كل الرسل حتى نعرف وحدة الرسل وأنهم أمة واحدة وحتى التعقيب في الأخير واحد بعدها كلها يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (*)وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تعقيب على كل القصص ودعوة الرسل. إذن المسألة تختلف حسب السياق. في العنكبوت دعوته لقومه أصلاً ولم يذكر موف قومه منه ولا ذكر تقوى ولا طاعة وإنما ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، لم يذكر لا دعوة ولا موقف، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال في العنكبوت عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٥﴾) حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك، هناك فرق. في الصافات ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76))، ماذا أُرسل؟ لم يوضح وإنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ 077))، هذا لم يذكر في السابق، لم يذكر في المواطن الأخرى، بعد الـ950 سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين، ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ هذه المسألة بعد نوح. لو قرأنا ما في الصافات ليس فيها دعوة (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾) من أي كرب؟ (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿٨٢﴾) من هم الآخَرين؟ لم يذكر، في النجاة لم يذكر غير أهله (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هنا لم يذكر من آمن وإنما ذكر فقط (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). هنا فقط ذكر أهله، هذا يسمى من المقامات الخفية، يسأل سائل لماذا لم يذكر المؤمنين معه؟ ملمح خفي جداً. هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77) الصافات) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ * ذريته يعني أهله؟ أهله * أليس ذريته يعني كل من معه؟ من سار معه؟ على العموم والشمول؟ لا. الباقي نجوا ، قضوا أعمارهم وماتوا. * من آمن معه أين ذهبوا؟ ماتوا، كل واحد قضى عمره. * وبقيت ذرية نوح؟ فقط ولذلك يسمونه أبو البشرية. فهو أبو البشر الثاني (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) الباقون كلهم ماتوا. فلو قال (وَمَنْ آمَنَ) يعني نقول نجاهم حتى يهلكهم، لم يشر إليهم، تركهم. * هم ماتوا مؤمنين؟ طبعاً ماتوا مؤمنين، كل واحد قضى عمره فمات لكن لا يقول نجاهم حتى يهلكهم. هذه تسمى مقامات خفية، مراعاة خفية في مراعاة المقام، ملامح أحياناً تكون جداً دقيقة، لما يذكر القرآن الجنة لما يذكر الزوجات لا يذكر الحور العين لأن النساء فيهن غيرة . في سورة القمر استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (9)) كذلك قال في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ عَادٌ (18)، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ (23)، (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (33)) إذن هي على نمط واحد من حيث استهلالها. ثم نلاحظ أنه في سورة القمر لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر تكذيب قومه، زجر قومه له. في المواطن الأخرى ذكر العبادة (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26) هود) (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (23) المؤمنون) هنا ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قوم نوح. ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة وبعد أن استمرت قروناً ، هو لبث فيهم 950 عاماً يدعوهم، بعد أن نفض يده من استجابتهم دعا ربه أني مغلوب والمغلوب يطلب الانتصار فقال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) . قد تقول في الشعراء تجري على نمط واحد أيضاً، قال (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٠٦﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٠٧﴾ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾) وكل الرسل يقولون هكذا. لا، في سورة القمر غير سورة الشعراء، في سورة الشعراء كان يأمرهم (أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٠٦﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٠٧﴾ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾) كان يدعوهم أما هنا في سورة القمر لا وإنما فقط ذكر وجهاً آخر وهو زجرهم له وتكذيبه (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) القمر). * (وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9)) من الذي ازدجر؟ هل هو سيدنا نوح؟ نعم، زجروه. وكان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ. في سورة القمر قال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠﴾) المغلوب يطلب النصر، (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾) بعد الدعاء الاستجابة السريعة دعا ربه - ففتحنا أبواب السماء، حتى قال (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾) وهذه لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة، (ألواح ودسر) لم تذكر في كل المواطن وإنما ذكر الفلك، الآن يصف أمراً آخر. * ما هي الألواح والدسر؟ المسامير. (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٥﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٦﴾) * ما معنى (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)؟ نوح كُفِر، يعني كفر به قومه. هذا انتقام من الله لسيدنا نوح لأن قومه كفروا به. ثم الآن تأتي إلى سورة نوح آخر موطن تذكر فيها قصة نوح وآخر موطن يذكر فيها إسم نوح. القصة اختتمت ذكرها من الأعراف في عشر سور ثم جاء إلى سورة نوح وهذا آخر موطن ذكرت فيه القصة. * ألا يوجد أي تكرار في هذه الملامح وفي هذه السور المختلفة؟ نحن ذكرناها موطناً موطناً وفي كل موطن يذكر جانباً ولولا أن يطول المجال لكنا ذكرنا كيف تختلف في كيفية النجاة وكيفية الدعاة وفي أمور كثيرة تختلف لكن الآن استعراض عام للقصص. سورة نوح آخر موضع وهي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، تقرير. * ماذا تضمن هذا التقرير؟ الآن انتهت المدة والآن قدّم تقريره إلى ربه، ذكر فيه موقف قومه منه، في السورة لم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء وإنما ذكر تقريراً قدّمه. قال تعالى في أول السورة (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) نوح) هذا بدء الرسالة، إذن أرسله لهذا الأمر، إذن أمره ربه بإنذار قومه (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) نوح) نوح قال مستجيباً لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) تنفيذ لأمر ربه (أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ) - (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) استجاب. ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح). ثم ذكر ماذا كان منه ومنهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)) يصف الحالة، ماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)) ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو أن يهلكهم كلهم، هذا مقترحه، خاتمة التقرير، النتيجة، توصية (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)) ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)) إذن المقترح والتعليل. ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات لعله أن يكون قد قصّر في عمله، هذا تقرير عجيب ثم جمع خلاصة رحلته الطويلة، خلاصة هذه الرحلة جمعها في هذا التقرير. في الأعراف والمؤمنون قال (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) الأمر بالعبادة، في هود (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25)) نذير، في الشعراء (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)) ، وفي التقرير النهائي (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح) جمع ما جاء في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح. فجمع ما تفرق وما قيل في كل القصص جمعها في هذا التقرير النهائي. ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح و(أن) المفسِّرة (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)) يعني جمع بين القول الصريح و(أن) . * (أن اعبدوا) أن والفعل مصدر مأوّل؟ أو مفسِّرة وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، في الشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106)) قول، في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، في التقرير النهائي جمع القول الصريح والمأوّل (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح) كما جمع كل ما ذكر في السور الآن جمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينهما في موطن آخر وإنما فقط في التقرير النهائي. ثم ذكر موقف قومه منه أنهم عصوه (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)) ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)) ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (25)) هذا في الدنيا (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) هذا في الآخرة، إذن التقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا والآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا). وافق ربنا على هذا الطلب * هذا شيء مخيف، هذا التقرير شيء مخيف، أن يحاط بهم الهذاب في الدنيا ويبشرون بهذا العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة! (ادخلوا) بصيغة الماضي ولم يقل يدخلون ؟ (فَأُدْخِلُوا نَارًا) ربنا وافق على طلب نوح، نوح اقترح مقترحاً وربنا وافق على المقترح وبيّن سبب الإجابة، لماذا أجابه؟ ربنا لماذا قَبِل بالمقترح؟ قال (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا (25)) وافق على الطلب بسبب الخطيئات،لاحظ التقرير العجيب: صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وذيّل بمقترح (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) وعلل سبب المقترح (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)) ثم قال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (28)) لعلي أكون قد قصّرت. * هو ما نسي نفسه وأهله ومن آمن معه، دعا على الكفار ودعا للمؤمنين! لعلي قد قصرت في هذا العمل، هذا ما عملته، عذا التقرير. ربنا وافق وبيّن سبب (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) ثم ختم التقرير بطلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (28)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!.. * هذه القصة فعلاً عجيبة، كل القرآن حلو لكن هذه القصة لها أثر خاص بالفعل. هذا التقرير النهائي يوحي أن الموقف بالنسبة لهم قد انتهى، اقتربت نهايتهم تماماً. أصلاً لم يرد لهم ذكر فيما بعد هذه السورة. لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة. * لِمَ هذا التقرير الذي رفعه سيدنا نوح بعد هذا التجوال والتطواف في عشر سور تقريباً ولم يصنعه كثير من الأنبياء؟ وهذا الاقتراح الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)؟ لماذا قال سيدنا نوح هذا؟ لأن قول نوح للبشرية وأما قول الباقين فلأقوامهم. * سيدنا نوح كان للبشرية ولم يكن لقومه؟ ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77) الصافات)، البشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني، كل من على الأرض الآن من أبناء نوح. إذن المسألة تختلف. لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية. * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) نسأل عن الواو هنا ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟ هذه ابتدائية. ابتدأ بها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا). ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام. * (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) هود) لماذا جاءت إني بالكسر؟ على إضمار القول بمعنى فقال إني لكم نذير مبين، على إضمار القول، على تقدير فقال إني لكم نذير مبين. * من الكلام الذي قاله (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26) هود).

    — فاضل السامرائي

  • ( إن هو إلا نذير لكم ) - قدم ( نذير ) لأن رسالة النبي عليه الصلاة عامّة للثقلين فليست خاصة بأحد. - في الحج : ( إنما أنا لكم نذير ) عناية بقومه عليه الصلاة والسلام . - في حين في سورة نوح وهود ( لكم نذير ) قدم ( لكم ) للاختصاص لأن رسالة الرسل خاصة بأقوامهم دون غيرهم .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

ترجمات معاني الآية ٢٥ من سورة هود

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(25) And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال