جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ويصنع نوح السفينة، وكلما مر عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، يقول : هزئوا من نوح، ويقولون له : أتحولت نجارا بعد النبوة وتعمل السفينة في البر فيقول لهم نوح : إنْ تسْخروا مّنا : إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة كما تهزءون منا في الدنيا. فسوْفَ تعْلمونَ إذا عاينتم عذاب الله، من الذي كان إلى نفسه مسيئا منا. وكانت صنعة نوح السفينة كما :
حدثني المثنى وصالح بن مسمار، قالا : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا موسى بن يعقوب، قال : ثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع : أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبيّ ﷺ أخبرته : أن رسول الله ﷺ قال :«لَوْ رَحِمَ اللّهُ أحَدا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ لَرَحِمَ أُمّ الصّبِيّ ». قال رسول الله ﷺ :«كانَ نُوحٌ مَكَث في قَومِهِ ألْف سَنَةٍ إلاّ خُمسِين عاما يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ حتى كانَ آخِرَ زَمانِه غَرَس شَجَرَةً، فعَظُمَتْ وذهَبَتْ كُلّ مَذْهَبٍ، ثُمّ قَطَعَها، ثُمّ جَعَل يَعْمَلُ سَفِينَةً، ويَمُرّونَ فيَسألُونَهُ، فَيَقُولُ : أعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي البَرّ فَكَيْفَ تَجْرِي ؟ فَيَقُولُ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ. فَلَمّا فَرَغَ مِنْها وَفارَ التّنّورُ وكَثُرَ المَاءُ في السّكَكِ خَشِيَتْ أُمّ الصَبِيّ عَلَيْهِ، وكانَتْ تُحِبُبّهُ حُبّا شّدِيدا، فخَرَجَتْ إلى الجَبَل حتى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ فَلَمّا بَلَغَها المَاءُ خَرَجَتْ حتى بَلَغَتْ ثُلُثَيِ الجَبَل فَلَمّا بَلَغَها المَاءُ خَرَجَتْ حتى اسْتَوَتْ على الجَبَلِ فَلَمّا بَلَغَ المَاءُ رَقَبَتَها رَفَعَتْهُ بينَ يَدَيْها حتى ذَهَبَ بِها المَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللّهُ مِنْهُمْ أحَدا لَرَحِمَ أُمّ الصّبِيّ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذُكر لنا أن طول السفينة ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن، قال : كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ان عباس، قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم : لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها قال : فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفّا من ذلك التراب بكفه، قال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هذا كعب حام بن نوح. قال : فضرب الكثيب بعصاه، قال : قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى : هكذا هلكت ؟ قال : لا، ولكن متّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شِبْت. قال : حدّثنا عن سفينة نوح قال : كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدوابّ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. فلما وقع الفأر بحبل السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى : كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، قال : ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال : فطوّقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال : فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال : فقال له : عد بإذن الله، قال : فعاد ترابا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتّهم عن عبيد بن عمير الليثي : أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح فيخنقونه حتى يغشي عليه، فإذا أفاق قال : اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتدّ عليه منهم البلاء، وانتظر النجل بعد النجل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الاَخِرُ منهم ليقول : قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا. حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قصّ الله علينا في كتابه : رَبّ إني دَعَوْتُ قَوْمي لَيْلاً ونهَارا فَلم يَزِدْهُمْ دُعائي إلاّ فِرَارا إلى آخر القصة، حتى قالَ رَبّ لا تَذَرْ على الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارا إنّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاّ فاجِرا كَفّارا إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحي الله إليه أَنِ وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا ولاَ تُخاطبْني في الّذِينَ ظَلمُوا أي بعد اليوم، إنّهُمْ مُغْرَقُونَ. فأقبل نوح على عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو. وجعل قومه يمرّون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول : إنْ تَسْخَرُوا منّا فإنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. قال : ويقولون له فيما بلغني : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوّة قال : وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال : ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلاً ووسطا وعلوا، وأن يجعل فيه كُوًى. ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور فاحمل فيها من كلّ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل، وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه ( ف ) قال إذَا جاءَ أمْرُنا وَفارَ التّنّورُ فاسْلُكْ فَيها مِنْ كُلَ زَوْجيْنِ اثْنين واركب. فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلاً كما قال الله، وحمل فيها من كلّ زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكر وأنثى، فحمل فيه بنيه الثلاثة : سام وحام يافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر : نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ وتخلّف عنه ابنه يام، وكان كافرا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال : سمعته يقول : كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الدرّة، وآخر ما حمل الحمار فلما دخل الحمار وأدخل صدره مَسَك إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول : ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال : كلمة زلّت عن لسانه. فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح : ما أدخلك عليّ يا عدوّ الله ؟ فقال : ألم تقل : ادخل وإن كان الشيطان معك ؟ قال : اخرج عني يا عدوّ الله فقال : ما لك بدّ من أن تحملني. فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. فلما اطمأنّ نوح في الفلك، وأدخل فيه مَنْ آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستّ مئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرّك ينابيع الغوط الأكبر، وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : فَفَتَحْنا أبْوَابَ السّماءِ بِمَاء مُنْهَمرٍ وفَجّرْنا الأرْضَ عُيُونا فالْتَقَى المَاءُ على أمْرٍ قَدْ قُدِرَ فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة. ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتدّ وارتفع يقول الله لمحمد : وَحمَلْناهُ على ذَاتِ ألْوَاحٍ وَدُسُرٍ والدسر : المسامير، مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعد ربه ما رأى فقال : يا بُنَيّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الكافرِينَ وكان شقيا قد أضمر كفرا، قالَ سآوِي إلى جَبَل يَعْصِمُني منَ المَاءِ وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظن أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح : لا عاصِمَ اليَوْمَ منْ أمْرِ اللّهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقينَ وكثر الماء حتى طغى وارتفع فوق الجبال كما تزعم أهل التوراة بخمسة عشر ذراعا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب. فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن عليّ بن زيد بن جدعان، قال ابن حميد، قال سلمة وحدثني حسن بن عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران، قال : سمعته يقول : لما آذى نوحا في الفلك عذرةُ الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه فخرج منه خنزيران، وكفي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس فخرج من مَنْخِريه هرّان يأكلان عنه الفأر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال : لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبال السفينة، فشكا نوح، فأوحي الله إليه فمسح ذنب الأسد فخرج سنّوران. وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحي الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران.
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال : حدثنا الأسود بن عامر، ق
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَليهِ عَذابٌ مُقيمٌ ٣٩ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (٤٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: (فسوف تعلمون)، أيها القوم، إذا جاء أمر الله، من الهالك، (من يأتيه عذاب يخزيه)، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله (٢) = (ويحل عليه عذاب مقيم)، يقول: وينزل به في الآخرة، مع ذلك، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا. (٣)
* * *
وقوله: (حتى إذا جاء أمرُنا)، يقول: "ويصنع نوح الفلك" (حتى إذا
(٢) انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة (خزى).
(٣) انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف ١٠: ٢٩٣ / ١٤: ١٧٤، ٣٤٠.
* * *
وقوله: (وفار التنور) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض = (وفار التنور)، وهو وجه الأرض.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٤٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في قوله: (وفار التنور)، قال: (التنور)، وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك. قال: والعرب تسمى وجه الأرض: "تنور الأرض".
١٨١٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه.
١٨١٤٥- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: (وفار التنور)، قال: وجه الأرض
١٨١٤٦- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: (وفار التنور)، قال: وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبح، من قولهم: "نوَّرَ الصبح تنويرًا".
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٤٧- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن
١٨١٤٨- حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيل قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: (وفار التنور)، قال: تنوير الصبح.
١٨١٤٩- حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة = أراه قد سماه = عن أبي جحيفة، عن علي: (وفار التنور) قال: تنوير الصبح.
١٨١٥٠- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: (وفار التنور)، قال: طلع الفجر.
* * *
١٨١٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سمّاه، عن علي بن أبي طالب قوله: (وفار التنور)، قال: إذا طلع الفجر.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء. وقال: "التنور" أشرف الأرض.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، كنا نحدّث أنه أعلى الأرض وأشرَفُها، وكان عَلَمًا بين نوح وبين ربّه
١٨١٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، سمعت قتادة قوله: (وفار التنور) قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه.
* * *
*ذكر قال ذلك:
١٨١٥٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، قال: إذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماءُ، فإنه هلاك قومك.
١٨١٥٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن قال: كان تنورًا من حجارة كان لحوّاء حتى صار إلى نوح. قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفورُ من التنور فاركب أنتَ وأصحابك.
١٨١٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور)، قال: حين انبجس الماء، وأمر نوحٌ أن يركب هو ومن معه في الفلك.
١٨١٥٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور)، قال: انبجس الماء منه، آيةً، أن يركب بأهله ومن معه في السفينة.
١٨١٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه = إلا أنه قال: آيةً، أن يركب أهله ومن معه في السفينة.
١٨١٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة.
١٨١٦٠- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد قال، نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته قال، وكان ذلك في ناحية الكُوفة.
١٨١٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وفار التنور)، قال: فار التنُّور بالهند.
١٨١٦٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفار التنور)، كان آيةً لنوح، إذا خرج منه الماء فقد أتى الناسَ الهلاكُ والغرق.
* * *
وكان ابن عباس يقول في معنى "فار" نبع.
١٨١٦٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وفار التنور)، قال: نبع.
* * *
قال أبو جعفر: و"فوران الماء" سَوْرَة دفعته، يقال منه: "فار الماء يَفُور فَوْرًا وفَؤُورًا وفَوَرَانًا "، (١) وذلك إذا سارت دفعته.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: (التنور)، قول من قال: "هو التنور الذي يخبز فيه"، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به.
* * *
= (قلنا)، لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحًا أن نعذبهم به، وفار التنور
١٨١٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين)، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨١٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين)، فالواحد "زوج"، و"الزوجين" ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٨-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (من كل زوجين اثنين)، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٩-.... قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨١٧٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين)، يقول: من كل صنف اثنين.
١٨١٧١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (من كل زوجين اثنين)، يعني بالزوجين اثنين: ذكر أو أنثى.
* * *
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، "الزوجان"، في كلام العرب: الاثنان. قال، ويقال: "عليه زوجَا نِعال"، إذا كانت عليه
* * *
وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين)، قال: فجعل "الزوجين"، "الضربين"، الذكور والإناث. قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: (٢)
| وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَغْدُو عَلَى كُلِّ غِرَّة | فَتُخْطِئُ فِيهَا مَرَّةً وَتُصِيبُ (٣) |
* * *
وقال آخر منهم: "الزوج"، اللون. قال: وكل ضرب يدعى "لونًا"، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك:
| وَكُلُّ زَوْجٍ مِنَ الدِّيبَاجِ يَلْبَسُهُ | أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوًّا بِذَاكَ مَعَا (٤) |
| وَذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المقَانِبُ صَوْتَهُ | وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ (٥) |
(٢) لم أعرف قائله.
(٣) اللسان (مرأ)، ويعني أنه سمى الذئب " امرءا "، جعله إنسانا، فهذا شذوذه.
(٤) ديوانه: ٨٦، اللسان (زوج)، من قصيدته في " هوذة بن علي الحنفي "، وهو " أبو قدامة "، وقبله:
| مَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيْرَ مُتَّئِبٍ | إذا تَعَصَّبَ فَوْقَ التَّاجِ أوْ وَضَعَا |
| لَهُ أَكَالِيلُ بِالْيَاقُوتِ زَيَّنَها | صُوَّاغُها، لاَ تَرَى عَيْبًا ولَا طَبَعَا. |
| وَغَيْثٍ بِدَكْدَاكٍ يَزِينُ وِهَادَهُ | نَبَاتٌ كوَشْي العَبْقَرِيِّ المُخَلَّبِ |
| أَرَبَّتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَطْفَاءَ جَوْنَةٍ | هَتُوفٍ مَتَى يُنْزِفُ لَهَا الوَبْلُ تَسْكُبِ |
| بِذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبَ صَوْبُهُ | وَزَيَّنَهُ أَطْرَافُ نَبْتٍ مُشَرَّبِ |
* * *
وقوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، يقول: واحمل أهلك أيضًا في الفلك، يعني ب"الأهل"، ولده ونساءه وأزواجه (١) = (إلا من سبق عليه القول)، يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع مَنْ أُهْلِكُ من قومك.
* * *
ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله.
فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين في العذاب. (٢)
* * *
(٢) في المطبوعة: " من الغابرين "، غير ما في المخطوطة وهو صواب محض.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٣- حدثت عن المسيب، عن أبي روق. عن الضحاك في قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، قال: ابنه، غرق فيمن غرق.
* * *
وقوله: (ومن آمن)، يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك = يقول الله: (وما آمن معه إلا قليل)، يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.
* * *
واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل)، قال: ذكر لنا أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.
١٨١٧٥- حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: (وما آمن معه إلا قليل)، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.
١٨١٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: حُدّثت أن نوحًا حَمَل معه بنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم. وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوحٌ أن يغيّر نُطْفته، فجاء بالسُّودان.
* * *
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: (وما آمن معه إلا قليل)، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين.
* * *
وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر، بنوح وبنيه وأزواجهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا.
١٨١٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين = يعني "القليل" الذي قال الله: (وما آمن معه إلا قليل).
١٨١٨١- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني حسين بن واقد الخراساني قال، حدثني أبو نهيك قال: