محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٩ من سورة هود في ٩٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٩ من سورة هود

٩٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٨:القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلّمَا مَرّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مّقِيمٌ * حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التّنّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ويصنع نوح السفينة، وكلما مر عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، يقول : هزئوا من نوح، ويقولون له : أتحولت نجارا بعد النبوة وتعمل السفينة في البر فيقول لهم نوح : إنْ تسْخروا مّنا : إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة كما تهزءون منا في الدنيا. فسوْفَ تعْلمونَ إذا عاينتم عذاب الله، من الذي كان إلى نفسه مسيئا منا. وكانت صنعة نوح السفينة كما :
حدثني المثنى وصالح بن مسمار، قالا : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا موسى بن يعقوب، قال : ثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع : أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبيّ ﷺ أخبرته : أن رسول الله ﷺ قال :«لَوْ رَحِمَ اللّهُ أحَدا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ لَرَحِمَ أُمّ الصّبِيّ ». قال رسول الله ﷺ :«كانَ نُوحٌ مَكَث في قَومِهِ ألْف سَنَةٍ إلاّ خُمسِين عاما يَدْعُوهُمْ إلى اللّهِ حتى كانَ آخِرَ زَمانِه غَرَس شَجَرَةً، فعَظُمَتْ وذهَبَتْ كُلّ مَذْهَبٍ، ثُمّ قَطَعَها، ثُمّ جَعَل يَعْمَلُ سَفِينَةً، ويَمُرّونَ فيَسألُونَهُ، فَيَقُولُ : أعْمَلُها سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي البَرّ فَكَيْفَ تَجْرِي ؟ فَيَقُولُ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ. فَلَمّا فَرَغَ مِنْها وَفارَ التّنّورُ وكَثُرَ المَاءُ في السّكَكِ خَشِيَتْ أُمّ الصَبِيّ عَلَيْهِ، وكانَتْ تُحِبُبّهُ حُبّا شّدِيدا، فخَرَجَتْ إلى الجَبَل حتى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ فَلَمّا بَلَغَها المَاءُ خَرَجَتْ حتى بَلَغَتْ ثُلُثَيِ الجَبَل فَلَمّا بَلَغَها المَاءُ خَرَجَتْ حتى اسْتَوَتْ على الجَبَلِ فَلَمّا بَلَغَ المَاءُ رَقَبَتَها رَفَعَتْهُ بينَ يَدَيْها حتى ذَهَبَ بِها المَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللّهُ مِنْهُمْ أحَدا لَرَحِمَ أُمّ الصّبِيّ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذُكر لنا أن طول السفينة ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن، قال : كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ان عباس، قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم : لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها قال : فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفّا من ذلك التراب بكفه، قال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هذا كعب حام بن نوح. قال : فضرب الكثيب بعصاه، قال : قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى : هكذا هلكت ؟ قال : لا، ولكن متّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شِبْت. قال : حدّثنا عن سفينة نوح قال : كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدوابّ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. فلما وقع الفأر بحبل السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى : كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، قال : ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال : فطوّقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال : فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال : فقال له : عد بإذن الله، قال : فعاد ترابا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتّهم عن عبيد بن عمير الليثي : أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح فيخنقونه حتى يغشي عليه، فإذا أفاق قال : اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتدّ عليه منهم البلاء، وانتظر النجل بعد النجل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الاَخِرُ منهم ليقول : قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا. حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قصّ الله علينا في كتابه : رَبّ إني دَعَوْتُ قَوْمي لَيْلاً ونهَارا فَلم يَزِدْهُمْ دُعائي إلاّ فِرَارا إلى آخر القصة، حتى قالَ رَبّ لا تَذَرْ على الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارا إنّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاّ فاجِرا كَفّارا إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحي الله إليه أَنِ وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا ولاَ تُخاطبْني في الّذِينَ ظَلمُوا أي بعد اليوم، إنّهُمْ مُغْرَقُونَ. فأقبل نوح على عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو. وجعل قومه يمرّون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول : إنْ تَسْخَرُوا منّا فإنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. قال : ويقولون له فيما بلغني : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوّة قال : وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال : ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلاً ووسطا وعلوا، وأن يجعل فيه كُوًى. ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور فاحمل فيها من كلّ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل، وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه ( ف ) قال إذَا جاءَ أمْرُنا وَفارَ التّنّورُ فاسْلُكْ فَيها مِنْ كُلَ زَوْجيْنِ اثْنين واركب. فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلاً كما قال الله، وحمل فيها من كلّ زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكر وأنثى، فحمل فيه بنيه الثلاثة : سام وحام يافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر : نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ وتخلّف عنه ابنه يام، وكان كافرا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال : سمعته يقول : كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الدرّة، وآخر ما حمل الحمار فلما دخل الحمار وأدخل صدره مَسَك إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول : ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال : كلمة زلّت عن لسانه. فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح : ما أدخلك عليّ يا عدوّ الله ؟ فقال : ألم تقل : ادخل وإن كان الشيطان معك ؟ قال : اخرج عني يا عدوّ الله فقال : ما لك بدّ من أن تحملني. فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. فلما اطمأنّ نوح في الفلك، وأدخل فيه مَنْ آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستّ مئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرّك ينابيع الغوط الأكبر، وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : فَفَتَحْنا أبْوَابَ السّماءِ بِمَاء مُنْهَمرٍ وفَجّرْنا الأرْضَ عُيُونا فالْتَقَى المَاءُ على أمْرٍ قَدْ قُدِرَ فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة. ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتدّ وارتفع يقول الله لمحمد : وَحمَلْناهُ على ذَاتِ ألْوَاحٍ وَدُسُرٍ والدسر : المسامير، مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعد ربه ما رأى فقال : يا بُنَيّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الكافرِينَ وكان شقيا قد أضمر كفرا، قالَ سآوِي إلى جَبَل يَعْصِمُني منَ المَاءِ وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظن أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح : لا عاصِمَ اليَوْمَ منْ أمْرِ اللّهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقينَ وكثر الماء حتى طغى وارتفع فوق الجبال كما تزعم أهل التوراة بخمسة عشر ذراعا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب. فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن عليّ بن زيد بن جدعان، قال ابن حميد، قال سلمة وحدثني حسن بن عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران، قال : سمعته يقول : لما آذى نوحا في الفلك عذرةُ الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه فخرج منه خنزيران، وكفي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس فخرج من مَنْخِريه هرّان يأكلان عنه الفأر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال : لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبال السفينة، فشكا نوح، فأوحي الله إليه فمسح ذنب الأسد فخرج سنّوران. وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحي الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران.
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال : حدثنا الأسود بن عامر، ق

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٨١٤٢- حدثت عن المسيب بن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سليمان القراسي: عمل نوح السفينة في أربع مائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة، حتى كان طوله أربع مائة ذراع، والذراع إلى المنكب. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَليهِ عَذابٌ مُقيمٌ ٣٩ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (٤٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: (فسوف تعلمون)، أيها القوم، إذا جاء أمر الله، من الهالك، (من يأتيه عذاب يخزيه)، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله (٢) = (ويحل عليه عذاب مقيم)، يقول: وينزل به في الآخرة، مع ذلك، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا. (٣)
* * *
وقوله: (حتى إذا جاء أمرُنا)، يقول: "ويصنع نوح الفلك" (حتى إذا
(١) الأثر: ١٨١٤٢ - " المسيب "، هو " المسيب بن شريك التميمي "، متروك سلف برقم: ١٦٨٠٦. " وسليمان القراسي "، لم أعرف من يكون. وكان في المخطوطة والمطبوعة: " المسيب بن أبي روق "، وهو خطأ صرف وسيأتي على الصواب برقم: ١٨١٧٣. قلت: وهذه الأخبار الآنفة، كلها رجم من رجم أصحاب الكتب السالفة، لا خير فيها، إلا أنهم ربما أثبتوها في كتبهم، لأنه كان هكذا يروى، ولكن ما من أحد من أهل العلم يعدها حجة على شيء، أو مظنة اعتقاد بصحتها.
(٢) انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة (خزى).
(٣) انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف ١٠: ٢٩٣ / ١٤: ١٧٤، ٣٤٠.
جاء أمرنا) الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم.
* * *
وقوله: (وفار التنور) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض = (وفار التنور)، وهو وجه الأرض.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٤٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في قوله: (وفار التنور)، قال: (التنور)، وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك. قال: والعرب تسمى وجه الأرض: "تنور الأرض".
١٨١٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه.
١٨١٤٥- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: (وفار التنور)، قال: وجه الأرض
١٨١٤٦- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: (وفار التنور)، قال: وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبح، من قولهم: "نوَّرَ الصبح تنويرًا".
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٤٧- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن
علي رضى الله عنه قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، قال: هو تنوير الصبح.
١٨١٤٨- حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيل قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: (وفار التنور)، قال: تنوير الصبح.
١٨١٤٩- حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة = أراه قد سماه = عن أبي جحيفة، عن علي: (وفار التنور) قال: تنوير الصبح.
١٨١٥٠- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: (وفار التنور)، قال: طلع الفجر.
* * *
١٨١٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سمّاه، عن علي بن أبي طالب قوله: (وفار التنور)، قال: إذا طلع الفجر.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء. وقال: "التنور" أشرف الأرض.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، كنا نحدّث أنه أعلى الأرض وأشرَفُها، وكان عَلَمًا بين نوح وبين ربّه
١٨١٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، سمعت قتادة قوله: (وفار التنور) قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه.
* * *
وقال آخرون: هو التنور الذي يُخْتَبز فيه.
*ذكر قال ذلك:
١٨١٥٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور)، قال: إذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماءُ، فإنه هلاك قومك.
١٨١٥٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن قال: كان تنورًا من حجارة كان لحوّاء حتى صار إلى نوح. قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفورُ من التنور فاركب أنتَ وأصحابك.
١٨١٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور)، قال: حين انبجس الماء، وأمر نوحٌ أن يركب هو ومن معه في الفلك.
١٨١٥٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفار التنور)، قال: انبجس الماء منه، آيةً، أن يركب بأهله ومن معه في السفينة.
١٨١٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه = إلا أنه قال: آيةً، أن يركب أهله ومن معه في السفينة.
١٨١٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة.
١٨١٦٠- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد قال، نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته قال، وكان ذلك في ناحية الكُوفة.
١٨١٦١-.... قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي: أنه كان يحلف بالله، ما فار التّنُّور إلا من ناحية الكوفة.
١٨١٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وفار التنور)، قال: فار التنُّور بالهند.
١٨١٦٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفار التنور)، كان آيةً لنوح، إذا خرج منه الماء فقد أتى الناسَ الهلاكُ والغرق.
* * *
وكان ابن عباس يقول في معنى "فار" نبع.
١٨١٦٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وفار التنور)، قال: نبع.
* * *
قال أبو جعفر: و"فوران الماء" سَوْرَة دفعته، يقال منه: "فار الماء يَفُور فَوْرًا وفَؤُورًا وفَوَرَانًا "، (١) وذلك إذا سارت دفعته.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: (التنور)، قول من قال: "هو التنور الذي يخبز فيه"، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به.
* * *
= (قلنا)، لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحًا أن نعذبهم به، وفار التنور
(١) قوله: " وفؤورا "، حذفها من المطبوعة، وهي ثابتة في المخطوطة.
الذي جعلنا فورَانه بالماء آيةَ مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه = (احمل فيها)، يعني في الفلك (من كل زوجين اثنين)، يقول: من كل ذكر وأنثى، كما:-
١٨١٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين)، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨١٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كل زوجين اثنين)، فالواحد "زوج"، و"الزوجين" ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٨-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (من كل زوجين اثنين)، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.
١٨١٦٩-.... قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨١٧٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين)، يقول: من كل صنف اثنين.
١٨١٧١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (من كل زوجين اثنين)، يعني بالزوجين اثنين: ذكر أو أنثى.
* * *
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، "الزوجان"، في كلام العرب: الاثنان. قال، ويقال: "عليه زوجَا نِعال"، إذا كانت عليه
نعلان، ولا يقال: "عليه زوجُ نعال"، وكذلك: "عنده زوجا حمام"، و"عليه زوجَا قيود". وقال: ألا تسمع إلى قوله: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) [سورة النجم: ٤٥]، فإنما هما اثنان. (١)
* * *
وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين)، قال: فجعل "الزوجين"، "الضربين"، الذكور والإناث. قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: (٢)
وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَغْدُو عَلَى كُلِّ غِرَّةفَتُخْطِئُ فِيهَا مَرَّةً وَتُصِيبُ (٣)
يعني به الذئب. قال: فهذا أشذّ من ذلك.
* * *
وقال آخر منهم: "الزوج"، اللون. قال: وكل ضرب يدعى "لونًا"، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك:
وَكُلُّ زَوْجٍ مِنَ الدِّيبَاجِ يَلْبَسُهُأَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوًّا بِذَاكَ مَعَا (٤)
ويقول لبيد:
وَذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المقَانِبُ صَوْتَهُوَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ (٥)
* * *
(١) انظر تفسير " الزوجين " فيما سلف ١٢: ١٨٣، ١٨٤.
(٢) لم أعرف قائله.
(٣) اللسان (مرأ)، ويعني أنه سمى الذئب " امرءا "، جعله إنسانا، فهذا شذوذه.
(٤) ديوانه: ٨٦، اللسان (زوج)، من قصيدته في " هوذة بن علي الحنفي "، وهو " أبو قدامة "، وقبله:(٥) ديوانه: قصيدة ٩، البيت: ٢٥، يصف غيثًا تبرجت به الأرض، يقول قبله:
مَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيْرَ مُتَّئِبٍإذا تَعَصَّبَ فَوْقَ التَّاجِ أوْ وَضَعَا
لَهُ أَكَالِيلُ بِالْيَاقُوتِ زَيَّنَهاصُوَّاغُها، لاَ تَرَى عَيْبًا ولَا طَبَعَا.
وَغَيْثٍ بِدَكْدَاكٍ يَزِينُ وِهَادَهُنَبَاتٌ كوَشْي العَبْقَرِيِّ المُخَلَّبِ
أَرَبَّتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَطْفَاءَ جَوْنَةٍهَتُوفٍ مَتَى يُنْزِفُ لَهَا الوَبْلُ تَسْكُبِ
بِذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبَ صَوْبُهُوَزَيَّنَهُ أَطْرَافُ نَبْتٍ مُشَرَّبِ
هذه رواية الديوان، وروى أيضًا: " ألوان نور مشرب ". و"الدك داك " ما ارتفع واستوى من الأرض، و " الوهاد "، ما اطمأن من الأرض، و " المخلب "، المخطط، يصف النبت وزهره، كأنه برود مخططة منشورة على الربى والوهاد. و" أربت "، أقامت، و" الوطفاء "السحابة الدانية من الأرض، و" الجونة "، السوداء، وذلك لكثرة مائها، و" هتوف "، يهتف رعدها ويصوت. و" أنزف الشيء "، أذهبه. يقول: أقامت عليه هذه السحابة الكثيرة الماء ترعد، فلما ذهب الوبل، جاءت بمطر سكب. و"البهجة "، زهو النبات، و" كن "، منع وستر، و" المقانب "، جماعة الخيل. و" الصوب " المطر. و"مشرب " أشرب ألوانًا من حمرة وصفرة وخضرة. يقول: جاء المطر فاستتروا به لطوله وارتفاعه. وأما رواية أبي جعفر، فمعناها: أن المقانب منعته أن يرعاه أحد سواهم، فلم يسمع به صوت.
وذكر أن الحسن قال في قوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) [سورة الذاريات: ٤٩] : السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء.
* * *
وقوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، يقول: واحمل أهلك أيضًا في الفلك، يعني ب"الأهل"، ولده ونساءه وأزواجه (١) = (إلا من سبق عليه القول)، يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع مَنْ أُهْلِكُ من قومك.
* * *
ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله.
فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين في العذاب. (٢)
* * *
(١) انظر تفسير " الأهل " فيما سلف ٨: ١٩٢.
(٢) في المطبوعة: " من الغابرين "، غير ما في المخطوطة وهو صواب محض.
وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٣- حدثت عن المسيب، عن أبي روق. عن الضحاك في قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول)، قال: ابنه، غرق فيمن غرق.
* * *
وقوله: (ومن آمن)، يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك = يقول الله: (وما آمن معه إلا قليل)، يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.
* * *
واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل)، قال: ذكر لنا أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.
١٨١٧٥- حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: (وما آمن معه إلا قليل)، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.
١٨١٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: حُدّثت أن نوحًا حَمَل معه بنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم. وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوحٌ أن يغيّر نُطْفته، فجاء بالسُّودان.
* * *
وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: (وما آمن معه إلا قليل)، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين.
* * *
وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر، بنوح وبنيه وأزواجهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.
*ذكر من قال ذلك:
١٨١٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا.
١٨١٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين = يعني "القليل" الذي قال الله: (وما آمن معه إلا قليل).
١٨١٨١- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني حسين بن واقد الخراساني قال، حدثني أبو نهيك قال:
(١) الأثر: ١٨١٧٨ - سلف مختصرًا برقم ١٤٧٩٢، وانظر التعليق عليه هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب

[سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]

قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اسْتِعْجَالِ قَوْمِ نُوحٍ نِقْمَةَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ وَسُخْطَهُ، وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ. قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا أَيْ حَاجَجْتَنَا فَأَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْنُ لَا نَتَبِّعُكَ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أَيْ مِنَ النِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ ادْعُ عَلَيْنَا بِمَا شِئْتَ فَلْيَأْتِنَا مَا تَدْعُو بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أَيْ إِنَّمَا الَّذِي يُعَاقِبُكُمْ وَيُعَجِّلُهَا لَكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُجْدِي عَلَيْكُمْ إِبْلَاغِي لَكُمْ وَإِنْذَارِي إياكم ونصحي إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أَيْ إغواؤكم وَدَمَارَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَيْ هُوَ مالك أزمة الأمور المتصرف الْحَاكِمُ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، لَهُ الْخَلْقُ وَلَهُ الْأَمْرُ وَهُوَ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ مَالِكُ الدُّنْيَا والآخرة.

[سورة هود (١١) : آية ٣٥]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)
هَذَا كَلَامٌ مُعْتَرَضٌ فِي وَسَطِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مُؤَكِّدٌ لَهَا. مقرر لها يقول تعالى لمحمد: أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ الْجَاحِدُونَ افْتَرَى هَذَا وَافْتَعَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي أَيْ فَإِثْمُ ذَلِكَ عَلَيَّ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ مُفْتَعَلًا وَلَا مُفْتَرًى لِأَنِّي أَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العقوبة لمن كذب عليه.

[سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى نُوحٍ لَمَّا اسْتَعْجَلَ قَوْمُهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ وَعَذَابَهُ لَهُمْ فَدَعَا عَلَيْهِمْ نُوحٌ دَعْوَتَهُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نُوحٍ: ٢٦] فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [الْقَمَرِ: ١٠] فعند ذلك أوحى الله إِلَيْهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهُمَّنَّكَ أَمْرُهُمْ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ يَعْنِي السَّفِينَةَ بِأَعْيُنِنا أي بمرأى منا وَوَحْيِنا أي تعليمنا لك ما تَصْنَعُهُ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَغْرِزَ الْخَشَبَ وَيُقَطِّعَهُ وَيُيَبِّسَهُ فَكَانَ ذَلِكَ فِي مِائَةِ سَنَةٍ وَنَجَرَهَا فِي مِائَةِ سَنَةٍ أخرى وقيل في أربعين سنة والله أَعْلَمُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ
إِسْحَاقَ عَنِ التَّوْرَاةِ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَهَا مِنْ خَشَبِ السَّاجِ وَأَنْ يَجْعَلَ طُولَهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا وَأَنْ يَطْلِيَ بَاطِنَهَا وَظَاهِرَهَا بِالْقَارِ وَأَنْ يَجْعَلَ لَهَا جُؤْجُؤًا أزورا «١» يَشُقُّ الْمَاءَ، وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي عَرْضِ خَمْسِينَ وَعَنِ الْحَسَنِ طُولُهَا ستمائة ذارع وعرضها ثلاثمائة وَعَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ طُولُهَا أَلْفٌ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ فِي عَرْضِ سِتِّمِائَةٍ وَقِيلَ طُولُهَا أَلْفَا ذارع وَعَرْضُهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالُوا كُلُّهُمْ وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ كُلُّ طَبَقَةٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَالسُّفْلَى لِلدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ وَالْوُسْطَى لِلْإِنْسِ وَالْعُلْيَا لِلطُّيُورِ وَكَانَ بَابُهَا فِي عَرْضِهَا وَلَهَا غِطَاءٌ مِنْ فَوْقِهَا مُطْبِقٌ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «٢» أَثَرًا غَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ يُوسُفَ بن مهران عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا قَالَ فانطلق بهم حتى انتهى إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذلك التراب بكفه فقال أَتُدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَا كَعْبُ حَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ فضرب الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ قَالَ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَدْ شاب قال له عيسى عليه السلام: أهكذا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنِّي مُتُّ وَأَنَا شَابٌّ ولكني ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ، قَالَ حَدِّثْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ؟ قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ فَطَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوُحُوشُ وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ فَلَمَّا كثر روث الدَّوَابِّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اغْمِزْ ذَنَبَ الْفِيلِ فَغَمَزَهَ فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فَخَرَجَ مِنْ مَنْخَرِهِ سَنَّوْرٌ وَسَنَّوْرَةٌ فَأَقْبَلَا عَلَى الْفَأْرِ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ عَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ؟ قَالَ: بَعَثَ الْغُرَابَ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ فَوَجَدَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ.
قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ الْحَمَامَةَ فَجَاءَتْ بِوَرَقِ زَيْتُونٍ بِمِنْقَارِهَا وَطِينٍ بِرِجْلَيْهَا فَعَلِمَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ قَالَ فَطَوَّقَهَا الْخُضْرَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا وَدَعَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي أُنْسٍ وَأَمَانٍ فَمِنْ ثَمَّ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَّا نَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى أَهْلِينَا فَيَجْلِسُ مَعَنَا وَيُحَدِّثُنَا؟ قَالَ: كَيْفَ يَتْبَعُكُمْ مَنْ لَا رِزْقَ لَهُ؟ قَالَ فَقَالَ لَهُ: عُدْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَادَ تُرَابًا.
وَقَوْلُهُ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أي يهزئون بِهِ وَيُكَذِّبُونَ بِمَا يَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ الآية وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَتَهْدِيدٌ أَكِيدٌ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي يهينه فِي الدُّنْيَا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أَيْ دائم مستمر أبدا.
(١) الجؤجؤ: الصدر، وأزور: من الزور: وهو الميل. كهيئة صدر السفينة.
(٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٦، ٣٧.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{٢٥ - ٤٩} ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
إلى آخر القصة (١) أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني.
{٢٧} ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين.
﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب، الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر، أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة.
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة، بزعمهم.
وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟.
وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب، يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية، التي تحتاج إلى تأمل، وفكر طويل.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه.
ولهذا ﴿قَالَ﴾ لهم نوح مجاوبا ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله، عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، فحسبك بهذا القول، شهادة له وتصديقا.
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: أوحى إلي وأرسلني، ومنَّ علي بالهداية، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم.
﴿أنلزمك موها﴾ أي: أنكرهكم على ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟ ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ حتى حرصتم على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم -[٣٨١]- وافتراؤكم علينا، صادا لنا عما كنا عليه.
وإنما غايته أن يكون صادا لكم أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم، على ما أمر الله، ولا إلزامكم، ما نفرتم عنه، ولهذا قال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
(١) في ب: أكمل الآيات إلى قوله تعالى: " فاصبر إن العاقبة للمتقين ".
﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على دعوتي إياكم ﴿مَا لا﴾ فستستثقلون المغرم.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء، فقال لهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ما ينبغي لي، ولا يليق بي ذلك، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام، والإعزاز والإعظام ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حيث تأمرونني، بطرد أولياء الله، وإبعادهم عني. وحيث رددتم الحق، لأنهم أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل.
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي: من يمنعني من عذابه، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال، الذي لا يمنعه من دون الله مانع.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ما هو الأنفع لكم والأصلح، وتدبرون الأمور.
﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم، وأنذركم، وأما ما عدا ذلك، فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي، أدبرها أنا، وأعطي من أشاء، وأحرم من أشاء، ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبركم بسرائركم وبواطنكم ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة سوى المنزلة، التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس، بظني.
﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ أي: ضعفاء المؤمنين، الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فإن كانوا صادقين في إيمانهم، فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك، فحسابهم على الله.
﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا تأييس منه، عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين، أو يمقتهم، وتقنيع لقومه، بالطرق المقنعة للمنصف.
فلما رأوه، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ولم يدركوا منه مطلوبهم ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة، لنبيهم الناصح.
فهلا قالوا إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا، وأشفقت علينا، ودعوتنا إلى أمر، لم يتبين لنا، فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، وإلا فأنت مشكور في نصحك. لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر خفي عليه، ولكنهم في قولهم، كاذبون، وعلى نبيهم متجرئون. ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة.
ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم - إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته، أن ينزله بكم، فعل ذلك. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء.
﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: إن إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم، لردكم الحق، فلو حرصت غاية مجهودي، ونصحت لكم أتم النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح، كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن المعنى: أن قومه يقولون: افترى على الله كذبا، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله، وأن الله أمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: كل عليه وزره ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون هذه الآية معترضة، في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان التام فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله.
فإذا زعموا - مع هذا - أنه افتراه، علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال، الإعراض عنهم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي: ذنبي -[٣٨٢]- وكذبي، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: فلم تستلجون في تكذيبي.
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ أي: قد قسوا، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فلا تحزن، ولا تبال بهم، وبأفعالهم، فإن الله قد مقتهم، وأحق عليهم عذابه الذي لا يرد.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي: بحفظنا، ومرأى منا، وعلى مرضاتنا، ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: لا تراجعني في إهلاكهم، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: قد حق عليهم القول، ونفذ فيهم القدر.
فامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ﴾ ورأوا ما يصنع ﴿سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ الآن ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نحن أم أنتم. وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر.
﴿قُلْنَا﴾ لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها ﴿وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ ﴿و﴾ الحال أنه ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ نوح لمن أمره الله أن يحملهم: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره.
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين.
ثم وصف جريانها كأنا نشاهدها فقال: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ أي: بنوح، ومن ركب معه ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ والله حافظها وحافظ أهلها ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ لما ركب، ليركب معه ﴿وَكَانَ﴾ ابنه ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعدا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فيصيبك ما يصيبهم.
فـ ﴿قَالَ﴾ ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة.
﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: سأرتقي جبلا أمتنع به من الماء، فـ ﴿قَالَ﴾ نوح: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ فلا يعصم أحدا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ﴾ الابن ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ بهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين.
﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا، وسحقا لا يزال معهم.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي: وقد قلت لي: فـ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ ولن تخلف ما وعدتني به.
لعله عليه الصلاة والسلام، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوض الأمر لحكمة الله البالغة.
فـ ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الذين وعدتك بإنجائهم ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: هذا الدعاء الذي دعوت (١) به، لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله.
﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيرا، أو غير خير.
﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: أني أعظك وعظا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين.
فحينئذ ندم نوح، عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
-[٣٨٣]-
فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحا، عليه السلام، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾.
وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم.
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها.
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هذا الإنجاء، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك، أحللنا به العقاب، وإن متعوا قليلا فسيؤخذون بعد ذلك.
قال الله لنبيه محمد ﷺ بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة، التي لا يعلمها إلا من منَّ عليه برسالته.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ فيقولوا: إنه كان يعلمها.
فاحمد الله، واشكره، واصبر على ما أنت عليه، من الدين القويم، والصراط المستقيم، والدعوة إلى الله ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه.
(١) في النسختين: دعيت، وقد عدلت في ب إلى: دعوت.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

كلمات القرآن
يُخزيه
يذلّه و يُهينه
يحلّ عليه
يجب عليه و ينزل به

إعراب الآية ٣٩ من سورة هود

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة هود (١١) : آية ٣٦]

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ في صرف نوح قولان: أحدهما أنّه أعجميّ ولكنه خفّ لأنه على ثلاثة أحرف، والآخر أنّه عربيّ قال عكرمة: إنما سمّي نوحا لأنه كان يكثر النياحة على نفسه قال: وركب في السفينة لعشر خلون من رجب وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود: ٤٤] لعشر خلون من المحرّم فذلك ستة أشهر وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعا. أَنَّهُ في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله ويجوز أن يكون في موضع نصب ويكون التقدير بأنه، لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ في موضع رفع بيؤمن فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تغتمّ حتى تكون بائسا.

[سورة هود (١١) : آية ٣٧]

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا قيل: معناه بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: لأن الملائكة صلوات الله عليهم كانت تريد ذلك، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تسألني فيهم فإني مغرقهم.

[سورة هود (١١) : آية ٣٨]

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)
وَكُلَّما ظرف مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قال الأخفش والكسائي يقال:
سخرت به ومنه.

[سورة هود (١١) : آية ٣٩]

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال الكسائي: وناس من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون.
قال: ومن قال: ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا، وحكى الكوفيون: سف تعلمون.
ولا يعرف البصريون إلّا سوف يفعل وسيفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى.

[سورة هود (١١) : آية ٤٠]

حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)
قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ في موضع نصب باحمل. وَأَهْلَكَ عطف عليه إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ «من» في موضع نصب بالاستثناء. وَمَنْ آمَنَ في موضع نصب عطف على اثنين وإن شئت على أهلك، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لأن الكلام قبله لم يتم إلّا أنّ الفائدة في دخول «إلّا» و «ما» أنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن فإذا جئت بما وإلا أوجبت لما بعد إنّ ونفيت عن غيرهم.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٣٩ من سورة هود

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٩ من سورة هود

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا وعيد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٩٦.
٢
عن الحسن البصري -من طريق إسماعيل بن مسلم- ﴿سوف تعلمون﴾، قال: وعيد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٧٨.
٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾، قال: الغَرَق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٢٧.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فسوف تعلمون﴾ هذا وعيد ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾ يعني: يُذِلُّه، يعني: الغَرَق١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٨٢.
٥
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿ويحل عليه عذاب مقيم﴾، قال: هو الخلود في النار١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- ﴿ويحل عليه عذاب مقيم﴾، قال: جهنم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٢٨.
٧
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري -من طريق السدي- قوله: ﴿عذاب مقيم﴾، قال: يعني: دائمًا لا ينقطع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏٢٠٢٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويحل عليه﴾ ويَجِب عليه ﴿عذاب مقيم﴾ يعني: في الآخرة دائمًا لا يزول عن أهله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٨٢.
٩
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾، قال: هو الغَرَق١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة هود كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٩ من سورة هود

٤ وقفات في هذه الآية

  • قوله {اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} بالفاء حيث وقع وفي هود {سوف تعلمون} بغير فاء لأنه تقدم في هذه السورة وغيرها {قل} فأمرهم أمر وعيد بقوله {اعملوا} أي اعملوا فستجزون ولم يكن في هود {قل} فصار استئنافا وقيل سوف تعلمون في سورة هود صفة لعامل أي إني عامل سوف تعلمون فحذف الفاء

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • آية (٣٩) : (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) * (مَنْ) تحتمل أن تكون اسما موصولاً بمعنى (الذي يأتيه) وتحتمل أن تكون إسم استفهام بمعنى من الذي يأتيه؟، ولو أراد أن يعيّنه بمعنى واحد لعينه، لكن هكذا جعلها تحتمل المعنيين الاستفهامية والموصولة لتحتمل أكثر من دلالة. * (يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) اختلف الفعل لاختلاف الدلالة فالعذاب الآن عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: - مع عذاب الدنيا الغرق وما إلى ذلك قال (يَأْتِيهِ) والإتيان لا يستلزم الثبات قد يأتي ويذهب، وقال (يُخْزِيهِ) أي يفضحه ويذله. - مع عذاب الآخرة قال (وَيَحِلُّ) الحلول هو الوجوب والثبات والدوام لأن هذا العذاب يجب ولا يذهب، ولو قال (يأتي) يمكن أن يذهب وقال (مُّقِيمٌ) ثابت في الآخرة لا يتحول عنهم. فكما كانوا يسترذلون المؤمنين ويهزأون منهم في الدنيا فجاء بعذاب يخزيهم جزاء أفعالهم، ثم يحل عليهم حلولاً ثابتاً دائماً مقيماً وهو عذاب الآخرة.

    — مختصر لمسات بيانية

  • { من يأْتيه عذابٌ يخزيه ويحِلّ عليه عذاب مقيم } : خالف بين العذابين وزاوج بينهما : - { عذابٌ يخزيه } بالصيغة الفعلية المنقطعة ، وهذا في الدنيا ، قال ابن كثير : الغرق . - { عذاب مقيم } بالصيغة الاسمية الدائمة ، وهذا في الآخرة ، وهو العذاب السرمدي الأبدي .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية ية (39) : * (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)) ما (مَنْ) هذه؟ كيف نفهمها في سياق الآية الكريمة؟ الآية الكريمة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)، (مَنْ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً بمعنى (الذي) وتحتمل أن تكون اسم استفهام سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه يعني من الذي يأتيه عذاب يخزيه؟ الجملة ستكون معلقة كما يسمونه في باب النحو. (الذي) مفعول به لفعل (تعلمون) وإذا كانت استفهامية تصير الجملة مبتدأ وخبر (من) مبتدأ ويأتيه عذاب يخزيه خبر والجملة كلها مفعول به لـ(تعلمون) الإعراب اختلف والدلالة اختلفت. * حضرتك تميل إلى أيها؟ موصولة أم استفهامية ؟ هو لو أراد أن يعيّنه بمعنى واحد لقال (الذي) بدل (من) تعينت الموصولة. أو لو أراد أن يعين الاستفهام يقول من الذي فيتعين الاستفهام، لكن هكذا جعلها تحتمل المعنيين الاستفهامية والموصولة . * ماذا يسمى هذا في النحو إذا كانت موصولة أو استفهامية؟ هل له باب معين في النحو؟ هذا من باب الجمل الاحتمالية التي تحتمل أكثر من دلالة، أنت إذا قلت لأحد "ما بك داء" ماذا يفهم منها؟ * ليس بك داء؟ ليس بالضرورة، الذي بك داء، لو أردت النفي قطعاً أقول "ما بك من داء"، تحددت وخلصت للنفي جاءت (من) الاستغراقية فحددتها، "ما بك داء" تحتمل، ليس بالضرورة استفهامية وموصولة ، نافية وموصولة ، (ما عندك من علم) هذه نافية إلا إذا أردت أن تجعل أداة الاستفهام محذوفة، يمكن جعلها استفهامية ما عندك من علم؟ ما عندك علم؟ جائز حذف أداة الاستفهام وهذا الحذف موجود في القرآن مثل (إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ (114) الأعراف) وفي آية أخرى (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) الشعراء) حسب السياق وأحياناً يراد الاحتمال لأنه يؤدي أكثر من معنى وأحياناً يراد الإبهام والبلاغة أحياناً تكون في الإبهام. * ربما يذهب العقل للإيضاح وفكرة الإيضاح دائماً ! الإيضاح في مكانه (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) طه) ما الذي غشيهم؟ أمر عظيم. لما يقال "ليت عينيه سواء" ما المراد بها؟ هل هي دعاء له أو عليه؟ يحتمل هذا وذاك. * (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) لماذا يتغير الفعل في البداية (يأتيه) و(يحل) وربما يكون الاثنان بمعنى؟ عذاب يخزيه هذا عذاب الدنيا يعني الغرق وما إلى ذلك، ويحل عليه عذاب مقيم هذا في الآخرة مقيم ثابت والدنيا انتهت (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا (25) نوح) أُغرقوا في الدنيا وأُدخلوا ناراً في الآخرة. يخزيه معناه يفضحه ويذله، هذا في الدنيا، لما يقول (يأتيه) في عذاب الدنيا قال يأتيه والإتيان لا يستلزم الثبات قد يأتي ويذهب ليس بالضرورة أن الإتيان يبقى ملازماً بينما الحلول هو الثبات والدوام. فإذن قال (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) يعني العذاب لا يتحول عنه وهو عذاب الآخرة قال يحل لأن هذا يجب وحتى لا ينصرف الذهن أنه قد يذهب، لو قال يأتي يمكن أن يذهب ولذلك قال في عذاب الدنيا يأتيهم لأنه قد يذهب ويحل والحلول هو الوجوب والثبات والدوام ومقيم. * لماذا يخزيه ومقيم؟ مقيم لأن الآخرة، ويخزيه في الدنيا، لما قال يأتيه عذاب يخزيه هذا يفضحه ويذله في الدنيا خزي الآن والخزي هو في الدنيا والآخرة لكن هذا الإتيان الأول كما كانوا يسترذلون المؤمنين يهزأون منهم فربنا سبحانه وتعالى كيف كانوا يستهزئون بالمؤمنين فجاء بعذاب يخزيهم جزاء أفعالهم ثم يحل عليهم حلولاً ثابتاً دائماً مقيماً وهو عذاب الآخرة. العذاب الآن أمران عذاب الدنيا وعذاب الآخرة * ولهذا يغيّر مرة يأتيه ويحل ومرة يخزيه ومقيم. هذا مختلف عن ذاك، هل هذا بفعل ذنوبهم مع سيدنا نوح ولسخريتهم من سيدنا نوح ومن اتبعه؟ نعم هم قالوا (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)) يخزيهم ربنا سبحانه وتعالى. * ألا يشفع لهم بأنهم كانوا يبحثون عن الله الحق سبحانه وتعالى حتى قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) يعني هم يعلمون وجود الله؟ أم أنهم يريدون دليلاً؟ لو جاءني أحد يقول لي أنا نبي مثلاً سأطالبه بالدليل ! كونه يعلم أن الله موجود ينبغي أن تكون عبادته كما يريد الله سبحانه وتعالى لا كما تريد أنت وتتصور فتتخذ شفعاء وأصنام تقربك تفتري على الله ، إذا كنت تريد عبادة الله أنت تعبده بما أراد هو لا بما تريده أنت أو بما يفتري عليه غيره. ولذلك يقولون أن العبادة فيها ركنان أن تكون خالصة وصواباً، خالصة لله بدون شريك وصواباً بالأمر الذي يريده هو سبحانه لا كما تريد أنت * كان المفروض منهم أن يؤمنوا لما رأوا المعجزات ! الآن جاءهم بالدليل، بالمنطق والدليل والمعجزات.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٣٩ من سورة هود

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(39) And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال