جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول : وإني خفت بني عمي وعصبتي من ورائي. يقول : من بعدي أن يرثوني، وقيل : عنى بقوله مِنْ وَرَائي من قدّامي ومن بين يديّ وقد بيّنت جواز ذلك فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي يعني بالموالي : الكَلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى.
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله : وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي قال : العصبة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي قال : خاف مواليَ الكلالة.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بنحوه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي قال : يعني الكلالة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي قال : العَصَبة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي قال : العصبة.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائي والموالي : هنّ العصبة، والموالي : جمع مولى، والمولى والوليّ في كلام العرب واحد.
وقرأت قراء الأمصار : وإنّي خِفْتُ المَوَالِيَ بمعنى : الخوف الذي هو خلاف الأمن. وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأه :«وإنّي خَفّتِ المَوَاليَ » بتشديد الفاء وفتح الخاء من الخفة، كأنه وجه تأويل الكلام : وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي. وإذا قرىء ذلك كذلك كانت الياء من الموالي مسكنة غير متحركة، لأنها تكون في موضع رفع بخفّتْ.
وقوله : وكانَتِ امْرأتي عاقِرا يقول : وكانت زوجتي لا تلد، يقال منه : رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر :
| لَبِئْسَ الفَتى أنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرا | جَبانا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلّ مَحْضَرِ |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرّا، فقال: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي).... إلى (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) وقوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) يعني بقوله (وَهَنَ) ضعف ورقّ من الكبر.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي ضعف العظم مني.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) قال: نحل العظم. قال عبد الرزاق، قال: الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشَّيْب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبا على المصدر. قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك ليس بمصدر. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي.
وقوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) يقول: قد كنت تعرّفني الإجابة فيما مضى.