جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن ابن نجيح، عن مجاهد " قالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى " لا حجة لي.
وقوله : " وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا " اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : معناه : وقد كنت بصيرا بحجتي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد " وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا " قال : عالما بحجتي.
وقال آخرون : بل معناه : وقد كنت ذا بصر أبصر به الأشياء. ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا " في الدنيا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : " قالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا " قال : كان بعيد البصر، قصير النظر، أعمى عن الحقّ.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الله عزّ وجلّ ثناؤه، عمّ بالخبر عنه بوصفه نفسه بالبصر، ولم يخصص منه معنى دون معنى، فذلك على ما عمه فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية، قال : ربّ لم حشرتني أعمى عن حجتي ورؤية الأشياء، وقد كنت في الدنيا ذا بصر بذلك كله.
فإن قال قائل : وكيف قال هذا لربه : لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى مع معاينته عظيم سلطانه، أجهل في ذلك الموقف أن يكون لله أن يفعل به ما شاء، أم ما وجه ذلك ؟ قيل : إن ذلك منه مسألة لربه يعرّفه الجرم الذي استحقّ به ذلك، إذ كان قد جهله، وظنّ أن لا جرم له، استحق ذلك به منه، فقال : ربّ لأيّ ذنب ولأيّ جرم حشرتني أعمى، وقد كنت من قبل في الدنيا بصيرا وأنت لا تعاقب أحدا إلا بدون ما يستحق منك من العقاب.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾