جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : قال إخوة يوسف : تاللّهِ يعني : والله. وهذه التاء في «تالله » إنما هي واو قلبت تاء كما فعل ذلك في التورية وهي من ورّيت، والتراث وهي من ورثت، والتخمة وهي من الوخامة قُلبت الواو في ذلك كله تاء. والواو في هذه الحروف كلها من الأسماء، وليست كذلك في «تالله »، لأنها إنما هي واو القسم، وإنما جعلت تاء لكثرة ما جرى على ألسن العرب في الأيمان في قولهم «والله »، فخصت في هذه الكلمة بأن قلبت تاء. ومن قال ذلك في اسم الله، فقال :«تالله » لم يقل تالرحمن والرحيم، ولا مع شيء من أسماء الله، ولا مع شيء مما يقسم به، ولا يقال ذلك إلاّ في «تالله » وحده.
وقوله : لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ يقول : لقد علمتم ما جئنا لنعصَى الله في أرضكم، كذلك كان يقول جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله : قالُوا تاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ يقول : ما جئنا لنعصَى في الأرض.
فإن قال قائل : وكان عِلْمُ من قيل له لقد عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ بأنهم لم يجيئوا لذلك حتى استجاز قائلو ذلك أن يقولوه ؟ قيل : استجازا أن يقولوا ذلك لأنهم فيما ذكر ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، فقالوا : لو كنا سرّاقا لم نردّ عليكم البضاعة التي وجدوها في رحالهم، فقالوا : لو كنا سرّاقا لم نردّ عليكم البضاعة التي وجدناها في رحالنا. وقيل : إنهم كانوا قد عرفوا في طريقهم ومسيرهم أنهم لا يظلمون أحدا ولا يتناولون ما ليس لهم، فقالوا ذلك حين قيل لهم : إنّكُمْ لَسارِقُونَ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
| فَلَسْتُ بِآمِرٍ فِيهَا بِسَلْمٍ | وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ (٢) |
| حَتَّى إذَا بَرَزَ اللِّوَاءُ رَأَيْتَهُ | تَحْتَ اللِّوَاءِ عَلَى الخَمِيسِ زَعِيمَا (٤) |
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف: (تالله) يعني: والله.
* * *
وهذه التاء في (تالله)، إنما هي"واو" قلبت"تاء" كما فعل ذلك في"التوراة" وهي من"ورّيت"، (٥) و"التُّراث"، وهي من"ورثت"، و"التخمة"
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٥، وبعد البيت، وفيه تمام معناه:
| بِغَزْوٍ مِثْلِ وَلْغِ الذِّئْبِ حَتَّى | يَنُوءَ بِصَاحِبي ثَأْرٌ مُنِيمُ |
(٣) قوله:" وزعامًا"، هذا المصدر مما أغفلته معاجم اللغة، فليقيد في مكانه.
(٤) اللسان (زعم) وأمالي القالي ١: ٢٤٨، وسمط اللآلئ ٥٦١، وتمام تخريجها هناك، من قصيدة لها تعرض فيها بابن الزبير، وقبل البيت:
| وَمُخَرَّقِ عَنْهُ القَمِيصُ تَخَالُه | وَسْطَ البُيُوتِ مِنَ الحَياء سَقِيمَا. |
* * *
وقوله: (لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض)، يقول: لقد علمتم ما جئنا لنعصى الله في أرضكم. (١)
* * *
كذلك كان يقول جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٩٥٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض)، نقول: ما جئنا لنعصى في الأرض.
* * *
فإن قال قائل: وما كان عِلْمُ من قيل له (٢) (لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض)، بأنهم لم يجيئوا لذلك، حتى استجاز قائلو ذلك أن يقولوه؟
قيل: استجازوا أن يقولوا ذلك لأنهم فيما ذكر ردُّوا البضاعة التي وجدوها
(٢) في المطبوعة:" وما كان أعلم من قيل له"، وهو عبث وفساد، صوابه ما في المخطوطة.