وهؤلاء الذين لا يؤمنون يظلون في طغيانهم يعمهون( ١ )، وكأنهم ينتظرون أن تتكرر معهم أحداث الذين سبقوا ولم يؤمنوا، لقد جاءهم الرسول ببيان ككل المكذبين السابقين.
ونحن نعلم أن اليوم( ٢ ) هو وحدة من وحدات الزمن، وبعده الأسبوع، وبعد الأسبوع نجد الشهر، ثم نجد السنة، وكلما ارتقى الإنسان قسّم اليوم إلى ساعات، وقسّم الساعات على دقائق، وقسّم الدقائق إلى ثوان.
وكلما تقدمت الأحداث في الزمن نجد المقاييس تزداد دقة، واليوم-كما قلنا-جعله سبحانه وتعالى وحدة من وحدات الزمن، وهو مكوّن ليل ونهار.
ولكن قد يذكر اليوم ويراد به ما حدث فيه من أحداث ملفتة، مثلما، نقول :" يوم ذي قرد " ( ٣ ) و " يوم حنين " ( ٤ ) و " يوم احد ".
إذن : فقد يكون المقصود باليوم الحدث البارز الذي حدث فيه، وحين ننظر في التاريخ، ونجد كتابا اسمه " تاريخ أيام العرب "، فنجد " يوم بعاث " ( ٥ ) و " يوم أوطاس " ( ٦ ) وكل يوم يمثل حربا.
إذن : فاليوم ظرف زمني، ولكن قد يقصد به الحدث الذي كان في مثل هذا اليوم.
ومثال ذلك أنك قد تجد من أهل الزمن المعاصر من عاش في أزمنة سابقة فيتذكر الأيام الخوالي ويقول : كانت الأسعار قديما منخفضة، وكان كل شيء متوفرا، فيسمع من يرد عليه قائلا : لقد كانت أياما، أي : أنها أيام حدث الرخاء فيها.
إذن : فقد ينسب اليوم إلى الحدث الذي وقع فيه.
وهنا يقول الحق سبحانه : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا.. ( ١٠٢ ) [ يونس ].
والذين خلوا منهم قوم نوح عليه السلام وقد أغرقهم الله سبحانه، قوم فرعون الذين أغرقهم الله تعالى أيضا.
والله سبحانه هو القائل : فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا( ٧ ) ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون( ٤٠ ) [ العنكبوت ] : وهذه أيام حدثت فيها أحداث يعلمونها، فهل هم ينتظرون أياما مثل هذه ؟
بالطبع ما كان يصحّ لهم أن يستمرئوا الكفر، حتى لا تتكرر معهم مآس كالتي حدثت لمن سبقهم إلى الكفر.
ونحن نجد في العامية المثل الفطري الذي ينطق بإيمان الفطرة، فتسمع من يقول :" لك يوم يا ظالم " أي : أن اليوم الذي ينتقم فيه الله تعالى من الظالم يصبح يوما مشهورا ؛ لأن الظالم إنما يفتري على خلق الله ؛ لذلك يأتي له الحق سبحانه بحدث ضخم يصيبه فيه الله تعالى ويذيقه مجموع ما ظلم الناس به. وقوله الحق سبحانه وتعالى : .. قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين( ١٠٢ ) [ يونس ] : وقوله هنا : فانتظروا فيه تهديد، وقوله : إني معكم من المنتظرين( ١٠٢ ) فيه بشارة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سينتظر هذا اليوم ليرى عذابهم، أما هو صلى الله عليه وسلم فسوف يتحقق له النصر في هذا اليوم.
٢ اليوم: في علم الفلك هو مقدار دوران الأرض حول محورها مرة، ومدته أربع وعشرون ساعة وجمعه أيام. وأيام العرب: وقائعهم. وأيام الله: جلت فيها نعمه وعذابه. القاموس القويم ص ٣٧٤..
٣ ذو قرد: مكان به ماء من أرض نجد، على مسافة يوم من المدينة من مما يلي بلاد غطفان. ذهب أكثر كتب السيرة على أنها كانت قبل الحديبية، أما البخاري في صحيحه فقد ذهب إلى أنها قبل خيبر بثلاث سنين، وذكرها بعد الحديبية. انظر: سيرة ابن هشام(٣/٢٨١) ودلائل النبوة(٤/١٧٨-١٩٣)..
٤ كان في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة، وقد قال سبحانه فيه:لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويم حنين إذ أعجبتهم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين(٢٥)[التوبة].
٥ يوم بعاث: هو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيهى يومئذ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهلي أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمروا بن النعمان البياضي، فقتلا جميعا.(سيرة ابن هشام ٢/٥٥٥)..
٦ يوم أوطاس هو نفسه يوم حنين وكان في سنة ثمان للهجرة بعد فتح مكة. وأوطاس: واد في ديار هوزان، كانت فيه وقعة حنين..
٧ الحصب: كل ما يلقي في النار، لتسعر به. قال تعالى:إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم..(٩٨)[الأنبياء]، وحصبه: قذفه بالحصى، قال تعالى:أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا..(١٧)[الملك] أي: إعصار شديدا يقذفكم بالحصى، فيهلككم، والرياح العاصفة تفعل أكثر من ذلك..
تفسير الشعراوي
الشعراوي