ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وأن أقم وجهك للدين حنيفا( (١) ) ولا تكونن من المشركين( ١٠٥ ) :
وما دام الخطاب موجّها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ككل خطاب من الحقّ سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، إنما ينطوي على الأمر لكل مؤمن.
وإذا ما عبد المؤمن الله سبحانه فهو يستقبل أحكامه ؛ ولذلك يأتي الأمر هنا بألا يلتفت وجه الإنسان المؤمن إلى غير الله تعالى، فيقول الحق سبحانه : أقم وجهك للدين حنيفا.. ( ١٠٥ ) [ يونس ].
فلا يلتفت في العبادة يمينا أو يسارا، فما دام المؤمن يعبد الله ولا يبعد غيره، فليعلم المؤمن أن هناك-أيضا-شركا خفيا( (٢) )، كان يعبد الإنسان من هم أقوى أو أغنى منه، وغير ذلك من الأشخاص التي يفتن بها الإنسان.
ونحن عرفنا من قبل قول الحق سبحانه : ومن أحسن دينا( (٣) ) ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة( (٤) ) إبراهيم حنيفا.. ( ١٢٥ ) [ النساء ] : والحنف( (٥) ) أصله ميل في الساق، وتجد البعض من الناس حين يسيرون تظهر سيقانهم متباعدة، وأقدامهم ملتفّة، هذا اعوجاج في التكوين.
أما المقصود هنا بكلمة ( حنيفا ) أي : معوج عن الطريق المعوج، أي : أنه يسير باستقامة.
ولكن : لماذا يأتي مثل هذا التعبير ؟
لأن الدين لا يجيء برسول جديد ومعجزة جديدة، إلا إذا كان الفساد قد عمّ ؛ فيأتي الدين ؛ ليدعو الناس إلى الميل عن هذا الفساد. وفي هذه اعتدال لسلوك الأفراد والمجتمع.
ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نقع في الشرك الخفي بعد الإيمان بالله تعالى.
ويأتي الكلام عن هذا الشرك الثاني في قول الحق سبحانه : .. ولا تكونن من المشركين( ١٠٥ ) [ يونس ]. وهذا الشرك الثاني هو أقل مرحلة من شرك العبادة، ولكن أن تجعل لإنسان أو لآيّ شيء مع الله عملا.
فإن رأيت-مثلا-للطبيب أو للدواء عملا، فقل لنفسك : إن الطبيب هو من يصف الدواء كمعالج، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشفي، بدليل أن الطبيب قد يخطئ مرة، ويأمر بدواء تحدث منه مضاعفات ضارة للمريض. وعلى المؤمن ألا يفتن في أيّ سبب من الأسباب.
ونذكر مثالا آخر لذلك، وهو أن بلدا من البلاد ذات الرقعة الزراعية المتسعة أعلنت في أحد الأعوام أنها زرعت مساحة كبيرة من الأراضي بالقمح بما يكفي كل سكان الكرة الأرضية، ونبتت السنابل وأينعت، ثم جاءتها ريح عاصف أفسدت محصول القمح، فاضطرت تلك الدولة أن تستورد قمحها من دول أخرى.

١ حنيفا: مائلا عن كل طرق ومناهج الضلال، إلى طريق الحق وحده..
٢ الخفي: هو الرياء وطلب السمعة والصيت. فعن شداد بن أوس قال قال صلى الله عليه وسلم:"عن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله. أما أنا لست أقول: يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا. ولكن أعمالا لغير الله، وشهوة خفية" أخرجه ابن ماجه في سننه (٤٢٠٥)..
٣ الدين: الطاعة والانقياد والشريعة والجزاء، والعقيدة والمنهج والصراط المستقيم [القاموس القويم-باختصار صـ٢٣٩]..
٤ الملة (بكسر الميم، وتضعيف اللام): الشريعة، والدين. قال تعالى:.. إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون(٣٧)[يوسف]. وقال تعالى:ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل..(٧٨)[الحج].[لسان العرب: مادة م ل ل].. بتصرف..
٥ الحنف في القدمين: إقبال كل واحدة منهما على الأخرى بإبهامها. ورجل أحنف، وامرأة حنفاء، وبه سمى "الأحنف بن قيس"، واسمه "صخر"؛ لحنف كان في رجله. قال الجوهري: الحنف: الاعوجاج في الرجل. وقال أبو عمرو: الحنيف هو المائل من خير إلى شر، أو من شر إلى خير. وحنف عن الشيء وتحنف: مال. والحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان، أي: يميل إلى الحق، وقيل: هو الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى:ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما..(٦٧)[آل عمران]. وقيل: الحنيف هو الذي يميل عن الضلال، ويبعد عنه ليتجه إلى الحق، وقد صارت هذه الكلمة علما على المسلمين.[لسان العرب: مادة (ح ن ف)-بتصرف]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير