ﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ولَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ١٠٤ وأَنْ أَقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ولاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٠٥ ولاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ ١٠٦‏ وإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو و إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وهُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ١٠٧
هذه الآيات الأربع والآيتان اللتان بعدها ختم للسورة بالنداء العام، في الدعوة إلى عقيدة الإسلام، أجملت أمرا أو نهيا وخبرا في خاتمتها، كما فصلت في جملتها.
ولاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ولاَ يَضُرُّكَ أي ولا تدع غيره تعالى ( دعاء عبادة- وهو ما فيه معنى القربة والجري على غير المعتاد في طلب الناس بعضهم من بعض، لا على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك بوساطة الشفعاء - ما لا ينفعك إن دعوته- لا بنفسه، ولا بوساطته- ولا يضرك إن تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره.
فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ أي فإن فعلت هذا بأن دعوت غيره فإنك أيها الفاعل في هذه الحال من طغامة الظالمين لأنفسهم الظلم الأكبر، وهو الشرك الذي فسر به النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : ١٣ ]، فإنه لما كان دعاء الله وحده هو أعظم العبادة ومخها كما ورد في الحديث كان دعاء غيره هو معظم الشرك ومخه، كما كررنا التصريح به بتكرار تفسير الآيات الناهية عنه، ومنها في هذه السورة قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ولاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [ يونس : ١٨ ] وقوله : قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ [ يونس : ٤٩ ] وقوله قبلهما وإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا [ يونس : ١٢ ] وقوله في أهل الفلك ( السفينة ) المشركين عند إحاطة الخطر بهم دعوا الله مخلصين له الدين [ يونس : ٢٢ ].
والآيات في هذا المعنى كثيرة متفرقة في السور، كررت لأجل انتزاع هذا الشرك الأكبر من قلوب الجمهور الأكبر، وقد انتزع من قلوب الذين أخذوا دينهم من القرآن، وكان جل عبادتهم تكرار تلاوته بالغدو والآصال، والليل والنهار، ثم عاد بقضه وقضيضه إلى الذين هجروا تدبر القرآن وهم يدعون الإسلام، وأكثرهم يتلقون عقائدهم من الآباء والأمهات والمعاشرين، وأكثر هؤلاء من الخرافيين الأميين الجاهلين، وأكثر القارئين منهم على قلتهم يأخذونها من كتب مقلدة متأخري المتكلمين الجدلية والمتصوفة الخرافية، ولا يكاد مسجد من مساجد يخلو من قبر مشرف مشيد، توقد عليه السرج والمصابيح، وقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم فاعليها، ويتوجه إليه الرجال والنساء، ويتقربون إليهم بالهدايا والنذور من الأميين، وبعرائض الاستغاثة والدعاء من المتعلمين، ليكشفوا عنهم الضر، ويهبوا لهم ما يرجون من النفع، ومن أمامهم وورائهم عمائم مكورة، ولحي طويلة أو مقصرة، يسمون شركهم الأكبر توسلا، واستغاثتهم استشفاعا، ونذورهم لغير الله صدقات مشروعة، وطوافهم بالقبور المعبودة زيارات مقبولة، ويتأولون هذه الآيات الكثيرة بل يحرفونها عن مواضعها، بزعمهم أنها خاصة بعبادة الأصنام، والنذور للأوثان، والتعظيم للصلبان، كأن الإشراك بالله جائز من بعض الناس ببعض المخلوقات دون بعض.
ومن البلاء الأكبر على الإسلام والمسلمين بمصر أن أصدرت لهم مشيخة الأزهر الرسمية في هذا العصر مجلة رسمية دينية، تفتيهم بشرعية كل هذه البدع الشركية القبورية، سمتها نور الإسلام، وألف لهم أحد خطباء الفتنة كتابا في هذا واطأه عليه وأمضاه له سبعون عالما من علماء الأزهر بزعمه، بل طبع في طرته خواتم بعضهم، وتواقيع آخرين منهم بخطوطهم، وذكر جميع أسمائهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبه وحده المستعان لإنقاذ الإسلام من هذا الطغيان.
ومنهم من يحتج على نفع هذا الدعاء لغير الله بالتجارب، كما يحتج الهنود الوثنيون والنصارى، فهو مشترك الإلزام، وقد أبطله الله بقوله : وإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير