ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ولَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ومَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ١٣ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ١٤
بين الله تعالى في الآيتين السابقتين شأنه في الناس وشأنهم معه بمقتضى الطبع البشري، وطغيان الشرك والكفر، ليعتبر به مشركو مكة وغيرهم ممن يعقله، إذ هو من العلم الصحيح المستمد من طبع الإنسان وسيرته، وقفى عليه في هاتين الآيتين بمصداقه من سيرة الأمم الماضية وسنته تعالى فيهم.
فقال عاطفا له على ما قبله ولَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا الخطاب لأمة الدعوة المحمدية، وجه أولا –وبالذات- إلى قوم النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وطنه مكة، إذ أنزلت السورة فيها، فهو التفات يفيد مزيد التنبيه وتوجيه أذهان المخاطبين لموضوعه، والقرون الأمم -وهو جمع قرن بالفتح - ومعناه القوم المقترنون في زمن واحد، وقد ذكر إهلاك القرون في آيات عديدة من السور المكية، وبدأ هذه بتأكيد القسم المدلول عليه باللام ( ولقد )، وصرح بأن سبب هلاكهم وقوع الظلم منهم كما قال في سورة الكهف وتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً [ الكهف : ٦٠ ]، و " لما " ظرف يدل على وقوع فعل لوقوع غيره مما هو سبب له، والمراد بالقرى الأمم والقرون كما تقدم مرارا، وقال في سورة هود وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : ١٠٢ ] وقد بعث الله الرسل في أهل الحضارة دون الهمج.
وإهلاك الله الأمم بالظلم نوعان :
( أحدهما ) هو مقتضى سنته في نظام الاجتماع البشري، وهي أن الظلم سبب لفساد العمران وضعف الأمم، ولاستيلاء القوية منها على الضعيفة استيلاء موقتا - إن كان إفساد الظلم لها عارضا لم يجهز على استعدادها للحياة واستعادتها للاستقلال- كما تقدم في تفسير فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم [ البقرة : ٢٤٣ ] من سورة البقرة، أو دائما - إن كانت غير صالحة للحياة حتى تنقرض أو تدغم في الغالبة - كما قال في سورة الأنبياء وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ [ الأنبياء : ١١ ] الآيات، وهذا النوع أثر طبيعي للظلم بحسب سنن الله في البشر، وهو قسمان : ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسوق والإسراف في الشهوات المضعفة للأبدان المفسدة للأخلاق، وظلم الحكام الذي يفسد بأس الأمة في جملتها، وهذه السنة دائمة في الأمم، ولها حدود ومواقيت تختلف باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها هي آجالها المشار في الآية ( ٤٩ ) الآتية وأمثالها.
ثانيهما : عذاب الاستئصال للأقوام التي بعث الله تعالى فيها رسلا لهدايتها بالإيمان والعمل الصالح وأعظم أركانه العدل، فعاندوا الرسل فأنذرهم عاقبة الجحود والعناد بعد مجيء الآيات، وهو ما بينه تعالى بقوله : وجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ الدالة على صدقهم فيما جاءوهم به.
ومَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ أي ما كان شأنهم ولا متقاضى استعدادهم أن يؤمنوا لأنهم مرنوا على الكفر واطمأنوا به، وصارت لذاتهم ومصالحهم القومية من الجاه والرياسة والسياسة مقترنة بأعمالهم الإجرامية من ظلم وفسق وفجور.
كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ تذييل لإنذار مشركي مكة ؛ لأنهم كانوا مجرمين، وتقديره كالذي مر قبله في المسرفين، وراجع تفسير وكذلك نجزي المجرمين [ الأعراف : ٣٩ ]، وتفسير فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [ الأعراف : ٨٣ ] من سورة الأعراف.


ولَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ومَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ١٣ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ١٤
بين الله تعالى في الآيتين السابقتين شأنه في الناس وشأنهم معه بمقتضى الطبع البشري، وطغيان الشرك والكفر، ليعتبر به مشركو مكة وغيرهم ممن يعقله، إذ هو من العلم الصحيح المستمد من طبع الإنسان وسيرته، وقفى عليه في هاتين الآيتين بمصداقه من سيرة الأمم الماضية وسنته تعالى فيهم.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير