ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون( ٤٣ ) :
والرؤى أيضا تحتاج على استشراف، وأن يقبل المرء على ما يريد أن يراه، وأحيانا لا يكون الرائي مستشرفا ؛ لأن قلبه غير متوجه للرؤية.
وسئل واحد : إنك تقول : ومن رأى فلانا الصالح( ١ ) يهده الله. فرد عليه السامع متسائلا : كيف تقول ذلك ؟ ! فرد القائل : لقد رأى أبو جهل خيرا من هذا، ومع ذلك ظل كافرا. فرد السامع : إن أبا جهل لم ير محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه رأى يتيم أبي طالب( ٢ ).
وهكذا شرح الرجل أن أبا جهل لم ينظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول ؛ لأنه لو نظر إليه بهذا الإدراك لتسللت إليه سكينة الإيمان وهيبة الخشوع وجلال الورع. ونحن قد نلقي رجلا صالحا في نشرته أدمة( ٣ ) أو سواد، وصلاحه يضيء حوله، وله أسر( ٤ ) من التقوى، وجاذبية الورع.
ولو أن أبا جهل رأى محمدا صلى الله عليه وسلم على انه رسول لتغير أمره.
وها هو " فضالة " ( ٥ ) يحكى عن لحظة أراد فيها أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما اقترب منه ؛ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ قال : لا شيء، كنت أذكر الله. قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال : استغفر الله، ثم وضع يده على صدر فضالة.
وساعة سمع فضالة هذا، ورأى محمدا صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك القول، قال : ما كان أبغض إلي من وجهه، ولكني أقبلت عليه فما كان أحب إلي في الأرض كلها من وجهه( ٦ ).
هذا هو السماع، وهذا هو البصر، وكلاهما-السمع والبصر-أكرم المتعلقات وأشرفها ؛ لأن السمع هو وسيلة الاستماع لبلاغ الله عنه، والإنسان قبل أن يقرأ لا بد له من أن يكون قد سمع. والمقصود هنا بالعمى في قول الحق سبحانه : أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون( ٤٣ ) هو عمى البصيرة.

١ إن رؤية الصالحين فيها جذب إيماني؛ لأن الرائي يرى نور الإيمان يناديه، فيلاقيه، ويلتقي به.
أما رؤية أبي جهل فهي رؤيا انقطاع إيماني؛ لأن استقباله للإيمان مقطوع، فلم ير نورا، ولم يحس به، وإنما كانت رؤيته من خلال الحقد الذي جعله لا يرى في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يتيما لابن أبي طالب، وذلك بخلاف موقف فضالة الذي أحس بالنور فأحبه..

٢ ذكر القرطبي في تفسيره(٤/٣٢٣٢) أن المشركين قالوا: ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب..
٣ الأدمة في الناس: السمرة الشديدة، وقيل: هي من أدمة الأرض، وهو لونها، **** أبو البشر-عليه السلام.[اللسان: مادة (أدم)]..
٤ الأسر: السمت الذي يستولى على مشاعر المحيطين به..
٥ هو: فضالة بن عمير بن الملوح الليثي..
٦ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٤/٤١٧) بلفظ:"والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير