ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا( (١) ) إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين( ٤٥ ) :
فهذه الدنيا التي يتلهف عليها الإنسان، ويأخذ حظه فيها، وقد ينسى الآخرة، فإذا ما قامت القيامة فأنت تشعر كأنك لم تمكث في الدنيا إلا ساعة، والساعة هي الساعة الجامعة التي تقوم فيها القيامة، ولكن الساعة في الدنيا هي جزء من الوقت، ونحن نعلم أن اليوم مقسم لأربع وعشرين ساعة، وأيضا تطلق الساعة على تلك الآلة التي تعلق على الحائط أو يضعها الإنسان على يده، وهي تشير إلى التوقيت.
والتوقيت ثابت-بمقدار الساعة والدقيقة والثانية- منذ آدم عليه السلام وإلى من سوف يأتون بعدنا، ولكن التوقيت يختلف من مكان إلى آخر، فتشير الساعة في القاهرة-مثلا- إلى الثانية ظهرا، وتكون في نيويورك السابعة صباحا، وتشير في بلد آخر إلى الثالثة بعد منتصف الليل، ولا تتوحد الساعة بالنسبة لكل الخلق إلا يوم القيامة.
ولذلك يقول الحق سبحانه : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.. ( ٥٥ ) [ الروم ] : وهم-إذن- يفاجأون أن دنياهم الطويلة والعريضة كلها مرت وكأنها مجرد ساعة( (٢) )، وهكذا يكتشفون قصر ما عاشوا من وقت، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إنهم لم ينتفعوا بها أيضا فهي مدة من الزمن لم تكن لها قيمة.
والحق سبحانه يقول : كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون( ٣٥ ) [ الأحقاف ] : أي : أن الدنيا تمر عليهم في لهو ولعب ومشاغل، ولم يأخذوا الحياة بالجد اللائق بها( (٣) ) ؛ فضاعت منهم وكأنها ساعة.
ولذلك يقول الحق سبحانه هنا : ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار.. ( ٤٥ ) [ يونس ] : ويوم الحشر ينقسم الناس قسمين : قسم من كانوا يتعارفون على البر، وقسم من كانوا يتعارفون على الإثم، فالذين تعارفوا في الحياة الدنيا على البر يفرحون ببعضهم البعض، وأما الذين تعارفوا في الحياة الدنيا على الإثم فهم يتنافرون بالعداء، والحق سبحانه هو القائل : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوا إلا المتقين( ٦٧ ) [ الزخرف ].
وكذلك قال في الذين تعارفوا على الإثم : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. ( ١٦٦ ) [ البقرة ] : هم سيتعارفون على بعضهم البعض، ولكن هذه المعرفة لا تدوم، بل تنقلب إلى نكران، فالواحد منهم لا يريد أن يرى من كان سببا في أن يؤول إلى هذا المصير، وتعارفهم تعارف تعنيف.
ويقول الحق سبحانه : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله.. ( ٤٥ ) [ يونس ] : وساعة تسمع كلمة " خسر " فاعرف أن الأمر يتعلق بتجارة ما، والخسارة( (٤) ) تعني : أن يفقد الإنسان المتاجر إما جزءا من رأس المال، أو رأس المال كله.
ومراحل التجارة- كما نعرف- إما كسب يزيد رأس المال المتاجر فيه، وإما ألا يكسب التاجر ولا يخسر ؛ لكنه يشعر بأن ثمن عمله ووقته في هذه التجارة قد ضاع، وكل ذلك يحدث في الصفقات.
ونجد الحق سبحانه وتعالى يصف العملية الإيمانية في الدنيا بقوله : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم( ١٠ ) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون( ١١ ) [ الصف ]، ويقول سبحانه : إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور( (٥) ) ( ٢٩ ) [ فاطر ] : والتجارة تعتمد على أنك لا تقبل على عقد صفقة إلا إذا غلب على ظنك أن هذه الصفقة سوف تأتي لك بأكثر مما دفعت فيها.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصفقات الخاسرة : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين( ١٦ ) [ البقرة ].
ويقول أيضا : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما.. ( ١١ ) [ الجمعة ].
وشاء الله الحق سبحانه أن يجعل معنى التجارة واضحا ومعبرا عن كثير من المواقف ؛ لأن التجارة تمثل جماع كل حركة الحياة ؛ فهذا يتحرك في ميدان ؛ وينفع غيره، وغيره يعمل في ميدان آخر ؛ فينفع نفسه، وينفع غيره.
وبهذا يتحقق نفع الإنسان من حركة نفسه وحركة غيره، وهو يستفيد من حركة غيره أكثر مما يستفيد من حركته هو، ومن مصلحة أي إنسان أن يحسن كل إنسان حركته ؛ فيرتاح هو ؛ لأن ما سوف يصل إليه من حركة الناس سيكون جيد الإتقان.
والتجارة تحمل أيضا الوساطة بين المنتج والمستهلك.
ولذلك حين أراد الله سبحانه أن نستجيب لأذان الجمعة قال : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم عن كنتم تعلمون( ٩ ) [ الجمعة ]، ولم يقل الله سبحانه : اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة، أو اتركوا التدريس، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع ؛ لأن فيه تجارة، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة.
والتاجر وسيط بين منتج ومستهلك وتقتضي التجارة شراء وبيعا، والشراء يدفع فيه التاجر ثمنا، أما في البيع فهو يأخذ الثمن، والغاية من كل شيء أن يتمول الإنسان.
لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء، فأنت قد تشتري شيئا وأنت كاره له، لاحتياجك إليه، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق، ولأن الشراء فيه أخذ، والبيع فيه عطاء، والعطاء يرضي النفس دائما ؛ لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها.
وإن كنت مزارعا فأنت تعد الأرض، وتحرثها، وتبذر البذور، وترويها، وتشذب النبات، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع، وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعا، لكن البيع في التجارة يأتي لك بالكسب سريعا، فكأن ضرب المثل في التجارة، جاء من أصول التجارة بالبيع ولم يأت بالشراء.
إذن : لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة، تأخذ منها أكثر من رأسمالك، وتربح، أما إن تركت بعضا من الدين ؛ فأنت تخسر بمقدار ما تركت، بل وأضعاف ما تركت.
وأنت في أية صفقة قد تعوض ما خسرت فيما بعد، وإن استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا، ويمكن أن تربح بعدها، وإذا لم تربح، فسيضيع عليك تعبك فقط ؛ ولأن الدنيا محدودة الزمن ؛ فخسارتها محتملة، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت-الزمن الدائم- فهي خسارة كبيرة ؛ لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا، وأنت في الآخرة إما في جنة ذات نعيم مقيم، وفي هذا ربح وكسب كبير، وإما إلى نار، وهذه هي الخسارة الحقيقية.
والخسران الحقيقي أن يكذب الإنسان، لا بنعيم الله فقط، ولكن بلقاء الله أيضا.
يقول الحق سبحانه : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله.. ( ٤٥ ) [ يونس ] : أي : أن الله سبحانه لم يكن في بالهم، وهم حين تقوم الساعة يجدون الله-سبحانه وتعالى –أمامهم. ولذلك يقول الحق سبحانه : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة( (٦) ) يحسبه الظمآن ماء.. ( ٣٩ ) [ النور ] : والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء، وهو عبارة عن انعكاس للضوء ؛ فيظن أن أمامه ماء، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء، وهكذا شبه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة ويرى السراب ؛ فيظنه كماء، لكنه سراب، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق سبحانه : حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده.. ( ٣٩ ) [ النور ] : أي : أنه يفاجأ بوجود الله سبحانه وتعالى، فيوفيه الله حسابه.
ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر، فإنه يأخذ حسابه ممن عمل له، ولا يحسب له ذاك في الآخرة، وتجد الناس يكرمونه، ويقيمون له التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" فعلت ليقال، وقد قيل " ( (٧) ).
وهنا يقول الحق سبحانه عن الذين كذبوا بلقاء الله تعالى : وما كانوا مهتدين( ٤٥ ) [ يونس ] : أي : لم يكونوا سائرين على المنهج الذي وضعه لهم خالقهم سبحانه ؛ هذا المنهج الذي يمثل قانون الصيانة لصنعه الله تعالى، وقد خلق الله سبحانه الإنسان لمهمة، والله سبحانه يصون الإنسان بالمنهج من أجل أن يؤدي هذه المهمة.
والهداية هي الطريق الذي إن سار فيه الإنسان فهو يؤدي به إلى تحقيق المهمة المطلوبة منه ؛ لأن الحق سبحانه قد جعله الخليفة في الأرض.
ومن لا يؤمن برب المنهج سبحانه وتعالى ولا يطبق المنهج فهو إلى الخسران المبين، أي : الخسران المحيط.
٢ الساعة: أصلها جزء من الزمن غير محدد يلاحظ فيه القلة، قال تعالى:يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة..(٥٥)[الروم] أي: مدة قليلة، وقوله:ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون(٣٤)[الأعراف] أي: لا يتأخرون لحظة، والساعة يوم القيامة قال تعالى:ويوم تقوم الساعة..(٥٥)[الروم] أي: القيامة..
٣ ولذلك يقول الحق سبحانه:ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا(١٩)[الإسراء]، فالسعي للآخرة لابد أن يكون بالنسبة إلى عظم هذا اليوم الأخير..
٤ خسر: أي خسر الرجل في تجارته خسرا و خسارا وخسارة وخسرانا، وغبن فيها ولم يربح وأصابه النقص. وخسر الرجل: ضل. فهو خاسر، وهو خسير، وقال تعالى:قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله..(٣١)[الأنعام][. وخسر نفسه: أهلكها بالضلال، وقوله تعالى:خسر الدنيا والآخرة..(١١)[الحج].
ومن الفعل اللازم قوله تعالى:فقد خسر خسرانا مبينا(١١٩)[النساء]، وقد يأتي متعديا، مثله قوله تعالى:قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة..(١٥)[الزمر][القاموس القويم]..
٥ تجر من باب نصر- تجرا وتجارة: باع واشترى طلبا للربح، وتطلق التجارة على المال الذي يتجر فيه التاجر- وتطلق التجارة مجازا على العمل الذي يترتب عليه خير، كأن الثواب ربح، وكأن الحرمان منه خسارة، وقال تعالى:إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم..(٣٨٢)[البقرة]، التجارة هي المتجر فيه، وقوله:إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور(٢٩)[فاطر] هي الأعمال الصالحة، وقوله:يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم(١٠)[الصف]، هي التجارة بالمعنى المجازي أي العمل الصالح.[القاموس القويم].
٦ السراب: ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر كالماء في الصحراء يلتصق بالأرض. وهو من خداع البصر. وقد سمي السراب سرابا لألنه يسرب سروبا، أي: يجري جريا، أي: يتحرك حركة تخدع الرائي من بعيد؛ فيظنه ماء وهو ليس بماء، بل خداع ضوئي وبصري ناتج عن الحالة النفسية للشخص عند شدة عطشه ووجوده في صحراء قاحلة؛ فأي حركة من بعيد بظنها ماء؛ ويجري إليها؛ ليفاجأ بعدم وجود شيء.[اللسان: مادة (س ر ب) بتصرف].
والقيعة: ارض واسعة مستوية لا تنبت الشجر. قال الفراء: القيعة جمع القاع، والقاع: ما انبسط من الأرض. قال تعالى:فيذرها قاعا صفصفا(١٠٦)[طه].[اللسان: مادة (ق و ع) بتصرف].
.
٧ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارىء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار.." الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٠٥) والنسائي في سننه (٦/٢٣)) طبعة دار الكتب العلمية-بيروت..
تفسير الشعراوي
الشعراوي