ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

٥- إن السمع أفضل من البصر، بدليل أنه كلما ذكر الله السمع والبصر، فإنه في الأغلب وكما في هذه الآية يقدم السمع على البصر.
٦- احتج أهل السنة بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام، وكالأعمى بالنسبة إلى إبصار الأشياء، والله هو الذي يخلق القدرة على الهداية فيها.
٧- إن الله لم يظلم أهل الشقاء، فهو في جميع أفعاله عادل، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم.
زوال الدنيا سريع
[سورة يونس (١٠) : آية ٤٥]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)
الإعراب:
وَيَوْمَ منصوب بتقدير: اذكر، أو على الظرف، وعامله: يَتَعارَفُونَ.
كَأَنْ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير يَحْشُرُهُمْ أي يحشرهم متشابهين أو صفة مصدر محذوف، تقديره: يحشرهم حشرا مشابها لحشر يوم لم يلبثوا قبله، أو صفة (ليوم) على تقدير محذوف أيضا، أي كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف فاتصلت الهاء يلبثوا، فحذفت للطول. وكَأَنْ: مخففة من الثقيلة، تقديره: كأنهم لم يلبثوا، وواو يَلْبَثُوا عائدة إلى ضمير يَحْشُرُهُمْ.
يَتَعارَفُونَ جملة فعلية حال من ضمير لَمْ يَلْبَثُوا ويجوز جعلها خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم يتعارفون.
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ.. إما استئناف فيه معنى التعجب أي ما أخسرهم، وإما حال من ضمير يتعارفون.

صفحة رقم 186

المفردات اللغوية:
يَحْشُرُهُمْ الحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد. كَأَنْ أي كأنهم، فخففت.
لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أو في القبور، لهول ما يرون.
يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ طريق الرشاد، وقوله: قَدْ خَسِرَ... هو استئناف، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم، وهي شهادة من الله تعالى على خسرانهم، أو حال من ضمير: يَتَعارَفُونَ، على إرادة القول، أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
المناسبة:
لما وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر، وتكذيبهم القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلّم، أتبعه بالوعيد بالجزاء في الآخرة على ما كان منهم في الدنيا.
التفسير والبيان:
يذكّر الله تعالى الناس بقيام الساعة والحشر من قبورهم إلى أرض المحشر يوم القيامة، فيقول: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي اذكر لهم أيها الرسول وأنذرهم يوم يجمعهم الله بالبعث بعد الموت في موقف الحساب والجزاء، فيلاحظون كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة يسيرة، والساعة مثل في القلة، ثم انقضت، حالة كونهم يتعارفون أي يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال، أو فهم يتعارفون.
وتقديرهم قصر الدنيا في ذلك الموقف الرهيب معنى متكرر في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ، لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف ٤٦/ ٣٥] وقوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات ٧٩/ ٤٦] وقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الروم ٣٠/ ٥٥] وقوله: قالَ: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟

صفحة رقم 187

قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قالَ: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[المؤمنون ٢٣/ ١١٢- ١١٤].
ثم أعلن الله تعالى خسارتهم فقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.. أي إن هؤلاء الكفار المكذّبين بالبعث قد خسروا ثواب الجنة خسارة كبري، إذ بدلوا الإيمان بالكفر، وما كانوا مهتدين لأوجه الربح والنفع بعمل الصالحات، فما أخسرهم! وهذا تعجب شديد من الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن عمر الدنيا قصير، إذا قوبل بحياة الآخرة الطويلة الأمد بل الخالدة، وعلى أن الكافرين المكذبين بالبعث خسروا ثواب الجنة خسارة كبري لا تعوض لأن الخسران إنما هو في يوم لا يرجى فيه القيام بالبديل، ولا تنفع فيه التوبة، وذلك بعد قيام الأدلة الكثيرة في القرآن المجيد على البعث والنشور. ويفهم من الآية أيضا أن لذات الدنيا بالنسبة إلى جميع العالم لا تعادل شيئا أمام العذاب الشديد والآفات الحاصلة للكافر يوم القيامة، فمن باع آخرته بالدنيا فقد خسر لأنه أعطى الكثير وأخذ القليل، وأن الكافر اهتدى إلى رعاية مصالح تجارته هذه.
كذلك أشارت الآية إلى أن الناس في الآخرة يعرف بعضهم بعضا، ولكن التعارف يمكث وقتا يسيرا، ويقولون: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي بالبعث والنشور.
ومع أنني اتجهت في تفسير الآية إلى مقابلة الدنيا بالآخرة فإن ما ذكر في الآية من لبث قدر ساعة من النهار يحتمل أن يكون ذلك هو عمرهم في الدنيا، أو مدة بقائهم في قبورهم، لهول ما يرون من البعث.

صفحة رقم 188

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية